لا مينـاء يحمـي مراكبهـم ويؤويهـا مـن المخاطـر

لا مينـاء يحمـي مراكبهـم ويؤويهـا مـن المخاطـر

صيادو الأسماك على ساحل الشوف يهجرون المنطقة

 --- 31-03-2008   السفير

 

al          jieh photo 033108

صياد عاطل عن العمل يرمم شباكه في ساحل الشوف

 

 

 

 

 

ساحل الشوف:
يعيش صيادو الاسماك على ساحل الشوف اوضاعا واحوالا صعبة وقاسية فرضتها عليهم ظروف المهنة. باتت المخاطر تحوطهم من كل حدب وصوب وهم يصارعون البحر لتأمين لقمة العيش، فأصبحت حياتهم عرضة يومية للموت والأذى. أرزاقهم مهددة وتتقاذفها الامواج وتخضعها لحركتها نتيجة افتقارهم لميناء يخصص لإيواء مراكبهم وحمايتها من العواصف والتيارات البحرية، بعدما اصبحت اهدافا مباشرة للامواج ومتغيرات البحر، كونها تترك على الشاطئ على حالها وفي العراء دون أدنى حماية لها. هذا الأمر دفع بالعديد من الصيادين الى هجر المنطقة والتشرد على طول الشاطئ اللبناني طلباً للأمان والحماية لموارد رزقهم، فيما اتجه بعضهم الى بدائل عمل جديدة.
وبرزت مشاكل الصيادين إلى الواجهة بشكل علني بعد عدوان تموز ,2006 حين أتخذ قرار في مؤسسة كهرباء لبنان منع بموجبه الصيادون في المنطقة من دخول حرم معمل الجية الحراري بعد أن كانوا يمنعون بين الحين والآخر قبل العدوان، مع العلم أنهم كانوا يدخلونه منذ عشرات السنين ويستخدمونه كميناء لهم لوضع قواربهم وربطها فيه لوجود حوض آمن بداخله يحمي المراكب من عوامل البحر والعواصف. وبالإضافة إلى ذلك منعوا أيضا من دخول مرفأ الجية التجاري، مما كبل مجمل تحركاتهم وخصوصيات مهنتهم. ولجأ كثر من بينهم إلى مناطق أخرى فقصدوا صيدا والاوزاعي والضبية والدورة والعقيبة، على الرغم من فداحة الخسائر التي يتكبدونها في الوصول إليها والتنقل في البحر بسبب المسافات البعيدة التي فرضتها عليهم ظروف معاناتهم وحاجات معيشتهم.
هذا الواقع المرير الذي يعيشه الصيادون في المنطقة أصبح هاجسهم اليومي ولا يغيب عن بالهم أبدا ، لكنهم يأملون في الوقت نفسه تحقيق المشروع الأمل، إنشاء ميناء خاص بهم، لما يشكل لهم خطوة هامة على طريق استقرارهم ومصدراً لحماية أرواحهم ومهنتهم.
وكانت بذلت في هذا الاطار جهود كبيرة وعلى اعلى المستويات لتحقيق هذا المشروع الحلم الى ان ظهرت ملامح ولادته حقيقة في العام 2004 عندما وضعت وزارة النقل التصاميم والدراسات له.
وكانت خطوات تنفيذه على شاطئ الجية على وشك الحدوث الا انه توقف ووضع في ثلاجة المشاريع بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام .2005
واليوم عاد المشروع الى الواجهة بفعل المتابعة وسلك طريقه نحو تنفيذ جزء منه كخطوة أولى بعد أن قدمت احدى الجهات النافذة في المنطقة هبة عبارة عن كميات كبيرة من الصخور لمصلحة اقامة سنسول صخري لمشروع الميناء، وفي الاسبوع المنصرم وافق مجلس الوزراء على الهبة شرط التقيد بمضمون المخطط التوجيهي للمشروع والتنفيذ في الموقع نفسه على شاطئ الجية.
وتستمر المعاناة وتشتد حركة العواصف وتتسارع الرياح والمخاطر على المراكب، فمنهم من يبقي على مراكبه مربوطة على الشاطئ وتركها عرضة لكل عوامل البحر، فيما البعض الآخر يقوم بسحبها خارج المياه وابعادها عن الشاطئ ونقلها عبر رافعات إلى محيط منازلهم لا سيما في الجية والدامور والرميلة، لتكون بعيدة عن مرمى العواصف والأمواج، مما انعكس هذا الوضع سلبا على عمل الصيادين التي أصبحت فترات الصيد محدودة بالنسبة لهم فيما هي عادة على مدار السنة، وتحولت منازلهم وشرفاتها إلى مواقع بديلة عن الميناء في خياطة الشباك وتنظيفها وتجهيزها للصيد.
وأمام هذا الواقع يؤكد المدير العام لوزراة النقل عبد الحفيظ القيسي ان الوزارة ارتأت بناء على عدد الصيادين والمراكب انشاء ميناء على شاطئ الجية لصيادي ساحل الشوف بالقرب من منشأت «الكوجيكو» النفطية شمالاً. ويلفت إلى انه تم وضع التصاميم والدراسات التفصيلية للمشروع في العام 2004 على ان يتم تمويله من قانون البرنامج الموضوع وتبلغ كلفته سبعة مليارات ليرة لبنانية.
ويضيف القيسي انه تم تقسيم الدفع للمتعهد على ثلاث سنوات حسب دفتر الشروط، ولكن نتيجة الأوضاع الاقتصادية فإن قانون البرنامج مجمّد ووزارة المال ليست لديها السيولة لإطلاق مثل المشروع.
ويشدد القيسي على عزم الوزارة تنفيذ المشروع كاملاً عند توفر الاموال نظراً لأهميته وضرورته في المنطقة، ويوضح ان قانون البرنامج وضع في العام ,2002 وتبلغ قيمته 120 مليار ليرة وهو مقسم على قسمين، الاول 112 مليار ليرة لتنفيذ الاشغال، والثاني 8 مليار ليرة للتصميم والإشراف على تنفيذ الأشغال.
ويشير إلى وجود 24 مرفأ للصيادين في لبنان، وان قانون البرنامج مخصص لمرافئ الصيادين سواء لانشاء مرافئ جديدة كالجية، او سواء لاستكمال الاشغال والاعمال في الـمرافئ الأخرى.
ويؤكد القيسي أن مجلس الوزراء وافق الاسبوع الماضي على الهبة المقدمة من إحدى الجهات والتي هي عبارة عن كميات من الصخور للمساهمة في إنشاء مرفأ للصيادين في الجية، ويشدد على ان الوزارة أبدت الموافقة على ذلك شرط ان يتم التنفيذ في موقع المشروع نفسه ووفق الدراسات والتصاميم في دفتر الشروط.
ويوضح القيسي ان الوزارة اوفدت احد الاستشاريين للمشروع الذي قام بفحص الصخور ومدى تطابقها مع المواصفات المطلوبة، ويشدد على انه ستتم المباشرة ببناء سنسول صخري للمشروع باشراف ومراقبة الاستشاري وفق المخطط التوجيهي المعمول به.
ويعتبر القيسي أن المشروع قد يوفر مأوى للصيادين، ولكن يبقى غير آمن كونه غير متكامل وهو جزء من المشروع الأم ويشير الى انه عند هبوب الانواء البحرية يقوم الصيادون بسحب قواربهم من المياه الى اليابسة لحمايتها.
ويؤكد رئيس النقابة في ساحل الشوف محمد هاشم الكجك أن المعاناة كبيرة وصعبة لغياب الميناء، ويشير إلى أن معظم الصيادين يتعرضون للمخاطر اليومية من خلال نقل المراكب من موقع إلى آخر ، ويلفت إلى أن عدد الصيادين في المنطقة يبلغ حوالى 300 صياد وقد انخفض هذا العدد إلى 120 صيادا بعد أن توزعوا على طول الشاطئ اللبناني لعدم توفر الميناء لهم، ويقول نحن متروكون ولا أحد يسأل عنا والموت يطاردنا.
ويشدد الكجك على أهمية وضرورة إيجاد الميناء الذي من شأنه أن يساعد في إنعاش الحركة الاقتصادية في المنطقة ويحمي عشرات العائلات ، لا سيما وأن كل مركب تعتاش منه 3 إلى 5 عائلات، ويؤكد أن الميناء يخفف الأعباء عن الصيادين ويساعدهم على تطوير مهنتهم عبر شراء المعدات والمراكب الكبيرة والجديدة والشباك ويمكنهم من العمل على مدار السنة ومهما كانت حركة البحر وصعوباته. ويوضح أن هذا الواقع يدفعهم للصيد في فصل الصيف فقط.
ويلفت الكجك إلى وجود مشروع لإقامة ميناء على شاطئ الجية ما بين شركة الكوجيكو ومسبح الجوناس على أرض تبلغ مساحتها 3500م2 وكانت لزمته وزارة النقل في العام 2005 قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري ويضم المشروع جميع مفاصل الميناء للصيادين من غرف للصيادين وسوق للأسماك وحمامات ومحطات وقود للمراكب وقاعات لجمعية صيادي الأسماك على ساحل الشوف ونقاط أمنية للجيش اللبناني. وكان المشروع بكلفة 6 ملايين دولار، لكن بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري توقف المشروع تحت حجة عدم توفر الأموال.
ويؤكد أن وزارة النقل ترحب بالمشروع بشخص المدير العام للنقل عبد الحفيظ القيسي الذي وعد بوضع المشروع في صلب الأولويات للوزارة والعمل على تحقيقه في أقرب فرصة تتأمن فيها الأموال، ويشير إلى مشروع قيد التحضير له في الموقع نفسه، ولكن بمساحة 120م2 وهو يعتبر بمثابة الدعسة والانطلاقة الأولى للمشروع ككل للتخفيف من المعاناة و رفع المخاطر عن الصيادين وحياتهم المهددة يومياً.
ويؤكد أن الصيادين ومنذ عشرات السنين كانوا يستخدمون معمل الجية وكذلك كان آباؤهم وأجدادهم، ويرى أن قرار المنع من الدخول إلى معمل الجية مرتبط بعوامل سياسية، ويشير إلى ان استخدام حرم معمل الجية كان دافعا كبيرا للصيادين في ممارسة عملهم على أكبر وجه.
[
الصياد محمود عبد الهادي فاضل يقول: إن أهلنا كانوا يربطون مراكبهم في حرم معمل الجية منذ أيام عهود مدراء المعمل المعلوف ومصباح الناطور وغيرهم لوجود حوض آمن يحميهم من الأمواج ويمكننا من الوصول بسهولة لمراكبنا. ويشير إلى أن الصيادين كانوا يدخلون ويخرجون من حوض المعمل دون أن يتعاطوا مع أحد أو يسببون أي ضرر أو إزعاج، إنما كانوا يساعدون في إزالة وتنظيف التوربينات الخاصة بمجموعات المعمل من النفايات البحرية دون أي مقابل.
ويضيف اليوم نربط مراكبنا في منتجع سياحي على شاطئ النبي يونس في الجية، ولكننا عرضة للمخاطر والأضرار لعدم وجود حماية للمراكب. وقد ضربت العواصف الأخيرة المراكب وعندما حاولنا إنقاذها تعرضنا للمخاطر بعد أن قذفتني الأمواج والتيارات إلى الصخور ووقعت بين المراكب ونجوت من الموت بأعجوبة فيما غرق مركبين الأول يخص ياسر القزي والآخر مصطفى الحاج. ويشدد على أنها المهنة الوحيدة للصيادين الذين لا يملكون الأرض للزراعة أو المؤسسات للتجارة.
ويشير فاضل إلى أن والده وإخوته حولوا المنزل إلى موقع بديل عن الميناء عبر قيامهم بتنظيف الشباك وخياطتها وتحضيرها للصيد، ويؤكد أن هذا الأمر يقوم به معظم الصيادين.
ويختم بالقول: تعالوا وشاهدوا بأم العين ما نعانيه، فنحن لا نريد المتاعب لا مع الدولة ولا مع الآخرين، إنما نريد إعطاءنا حقوقنا في هذا البلد، خصوصاً بعد أن أصبح البحر أمامنا ولا سبيل لنا والموت وراءنا.
وأما نائب رئيس النقابة وليم يوسف فيقول: معاناتنا نحن صيادو ساحل الشوف كبيرة جداً دون أن يشعر بنا أحد، فأنا مثلا أبن الدامور وبسبب عدم وجود الميناء على ساحل منطقتنا لجأت إلى ميناء الضبية مع مجموعة من الصيادين وأرسينا مراكبنا هناك، ولكن مما زاد في الطين بلة أنه عند اشتداد العواصف البحرية أضطر أنا وزملائي الصيادين المقيمون في الدامور إلى الذهاب إلى الضبية لسحب مراكبنا من المياه خشية غرقها، لذلك أناشد باسمي وباسم زملائي المسؤولين أن يرأفوا بحالنا وحال أطفالنا لرفع المعاناة عنا فيكفينا قسوة الأيام علينا وغدر البحر لنا، وأن يبادروا الى إنشاء ميناء يؤوينا نحن صيادي ساحل الشوف فلقمة عيشنا من البحر.
 
أما الصياد بطرس القزي الذي يمتهن هذه المهنة منذ عشرات السنين ومصدر الرزق الوحيد له ولعائلته يشير إلى أنه هرّب مركبه إلى شاطئ الدورة خوفا من الأنواء البحرية، ويؤكد أن صيادي ساحل الشوف باتوا مهددين برزقهم ومعرضين لمخاطر البحر الكثيرة بسبب عدم وجود ميناء يحميهم ويحمي مراكبهم منبهاً من خطورة استمرار هذا الوضع ويحذر من أنه سيأتي يوم لن يكون فيه صيادون في لبنان، خاصة أن عدداً كبيراً من الصيادين هجر هذه المهنة إلى مهن أخرى.
[
وأما رئيس بلدية الجية الدكتور جورج نادر القزي فيؤكد وجود المشكلة على ساحل الشوف، ويشير إلى أن مراكب الصيادين هناك عرضة للغرق والســرقة لغياب المكان الآمن لها (الميناء(..
ويؤكد أنه لا يمكن السكوت على هذا الوضع الذي هو مصدر رزق لعدد كبير من أبناء المنطقة الذين أصبحت عائلاتهم وحياتهم مهددة، ومن الضروري تحقيق المشروع، ولو بشكل مؤقت، ويلفت إلى أن البلدية تتابع هذا الموضوع مع الجهات المعنية وبالأخص مع وزارة النقل لإقامة ميناء على شاطئ الجية، ويوضح أن المشروع موجود، ولكن تنقصه الأموال.
ويشدد على أن البلدية تدعم جمعية الصيادين سنوياً بمبلغ من المال كمساهمة منها للتخفيف من معاناتهم، ويعتبر أن