خليل تقي الدين

خليل تقي الدين

18-01-2007

صوتك اونلاين


ولد خليل تقي الدين في 3/4/1906 في بعقلين حيث ترعرع في كنف عمّه الشاعر أمين تقي الدين صاحب الفضل في توجيهه نحو الأدب، والتي درس فيها، ثم انتقل الى بيروت لمتابعة دروسه في "الليسيه". درس الحقوق، التي لم يمتهنها، في جامعة القديس يوسف. نشأ على حبّ المطالعة والكتابة ومال نحو الأدب في جوّ الجبل الشامخ والقرى الريفية الجميلة فأحبّ الأرض ولذلك جاء عنوان قصته الأولى "نداء الأرض" التي أصدرها ضمن مجموعته القصصية "عشر قصص" (1940(.

عمل الشيخ خليل في حقل الأدب وكان أحد مؤسّسي "عصبة العشرة" (1930) الذين ما كانوا سوى 4 وهم: الياس أبو شبكة، ميشال أبو شهلا، فؤاد حبيش وخليل تقي الدين. تولّى الوظائف الادارية الرفيعة ثم انتقل الى السلك الدبلوماسي الذي استمر فيه 20 سنة، وكان أول سفير للبنان في الاتحاد السوفياتي، بعد الحرب العالمية الثانية في عهد ستالين، حيث عاش حوالى 5 سنوات. وفي موسكو كتب قصة "تامارا" الجاسوسة الحسناء. قدّم أوراق اعتماده سفيراً للبنان في 15 دولة ومنها مصر، زمن عبد الناصر الذي كان يدخل عليه في غرفة نومه. وقد ركب عربة الخيل الملكية المذهّبة في لندن الى قصر بكنغهام لتقديم أوراق اعتماده الى الملكة اليزابيت الثانية. وهكذا عرف ملوكاً ورؤساء وقادة عسكريين ارتجلوا أنفسهم ملوكاً وتحكّموا بشعوبهم. ولم تبعده الدبلوماسية عن الأدب بل أعطته معيناً لا ينضب من التجارب. بعد تقاعده من السلك الدبلوماسي، لجأ الى الصحافة، فكتب في مجلة "الصياد" وجريدة "الراصد" ومن ثم أصبح مستشاراً في وزارة الاعلام.

واقعي
خليل تقي الدين أديب واقعي، شخصياته القصصية من لحم ودم. وهو يقول: "أنا أعبّ من الحياة، الينبوع الأكبر الذي لا ينضب، فالحياة مردّ إبداعي أو إخفاقي. ولست أطمح الى تغيير ما اشتملت عليه الحياة، بل الى تصويره، وما همّني ان كانت الحياة كلّها كذباً وخداعاً وخيانة وإجراماً، فجاءت قصصي تمثل ذلك".

ففي كتابه "عشر قصص" ينقل لنا أخبار رجال ونساء عرفهم ويروي لنا قصة كلّ واحد منهم في أفراحهم وأتراحهم، في همومهم ومشاغلهم، في شقائهم ونعيمهم، في حلّهم وترحالهم. وأما مجموعته القصصية الثانية "الاعدام" (1940) فتتألف من 5 قصص ويروي فيها أحداث إعدام بعض المجرمين.

وكتابه "خواطر ساذج" (1943) يضمّ فصولاً كان يكتبها أسبوعياً في مجلة "المكشوف" تحت اسم "ساذج" وهي مواعظ أخلاقية، ومقالات انتقادية إصلاحية، وخواطر أدبية توجيهية وفي بعضها يتغنّى بجمال طبيعة لبنان حيث يقول: "أحبك يا وطني لأنك عظيم في شموخك، جبّار في خلودك، جميل في تجدّد لوحاتك، عميق في أغوارك، رائع في انبساطك وتراميك!... وغداً، عندما تدق ساعتي، ويطرق بابي ملاك الموت، سأقول للباكين من حولي، وقد غمرت نفسي سكينة التسليم: هنيئاًَ لمن يرقد في ثرى وطنه، فلا تبكوا ولا تجزعوا، بل احفروا قبري في تربة بلادي، ودعوني أتفيأ ظلّ شجرة من أشجار لبنان!".

وفي قطعة عنوانها "يا بني وطني" يخاطبهم فيقول: "متى تخلعون عن أعناقكم هذا النير يا بني لبنان! متى تحطّمون أغلال الطائفية الهدّامة البغيضة، وتحرّرون نفوسكم من سجونها الضيقة التي خلفتها العنعنات والانقسامات لتنطلقوا اخواناً أحراراً في آفاق الوطنية الرحبة، بعد أن جعلت منكم الطائفية عبيداً متنافرين؟ متى تتركون أديانكم في كنائسكم وجوامعكم وصوامعكم، لتتّحد قلوبكم وتتآخى، وتعمر صدوركم بإيمان واحد هو حبّ الوطن؟". فما قاله خليل تقي الدين منذ حوالى 65 سنة ما زال يصحّ على أوضاع لبنان التي نشكو منها. فهل نصغي اليه؟ وقصة "تامارا" القصيرة التي تدور حول الحبّ، الحرب والجاسوسية والتي يرويها بأسلوب شيّق، تتناول حياة هذه الفتاة الجميلة اللاهية التي تعرّف اليها في موسكو والتي انتهت الى الموت والنسيان.

موسكو
في الاتحاد السوفياتي وعلى مدى 5 سنوات استطاع خليل تقي الدين فهم الشيوعية ونظامها الصارم الذي يخضع اليه الشعب الروسي. يروي سليم نصار أن الشيخ خليل تقي الدين عندما كان سفيراً في موسكو كان يقوم بنزهته اليومية من دار السفارة اللبنانية حتى نهر موسكوفا، وكان يلاحظ خلال نزهته رجلاً مسناً ينقب طبقة الجليد في الشتاء القارس ليدخل صنارته وينتظر. وهذا المشهد يتكرّر من دون أن يتمكّن الرجل من اصطياد سمكة واحدة. فاقترب السفير الأديب منه ذات يوم وسأله: "أراك كلّ يوم تنتظر السمكة في هذا المكان ولا تصطاد شيئاً إلا اليأس". ابتسم العجوز وقال له بلهجة الواثق: "لا بدّ من أن تأتي السمكة".

رواية "العائد" (1968) التي وضعها الشيخ خليل، تروي قصة شيخ من بتلون فجع بوفاة ثلاثة من أولاده الخمسة في 3 سنوات وتجرى أحداثها في الحرب العالمية الأولى. وتتضمّن وصفاً لعادات الناس في جبل الشوف وإيمانهم بالتقمّص. وهو يؤمن بتقمّص الروح.

أضخم رواية كتبها هي رواية "كارن وحسن: من هتلر الى رياض الصلح" (1972) التي تتألف من 70 حلقة تجري أحداثها بين لبنان، ألمانيا وأوروبا في زمن الحكم النازي حيث البطل حسن يحب كارن زميلته الألمانية في جامعة برلين ويتزوجها. الرواية صراع بين الجاسوسية والحب وتبدأ بهتلر، ستالين وديغول لتنتهي ببشارة الخوري ورياض الصلح والعمل في سبيل استقلال لبنان سنة 1943. وقال عنها الرئيس الياس سركيس: انها لم تدعه ينام كونها تصوّر صراع القدر والتاريخ.

هذا هو الشيخ خليل تقي الدين الرجل، الأديب، القصاص، الروائي، الدبلوماسي والصحافي الذي رافق المجلس النيابي اللبناني منذ مطلع الدستور سنة 1926 . ويقول عنه أنطون قازان: "انه من أدباء الطليعة والأصالة، إذا انتقد فلعودة الى الينابيع، وإذا كتب القصة فأنت أمام سيد من أسيادها الملهمين".

نهارالخميس في 9/7/1987 مات خليل تقي الدين جسدياً وبقي أدبه حياً لا يموت.

 

Back to Baakleen News page