مبناها الأثري شيّده والٍ عثماني عام 1897 وحوّله سرايا

مبناها الأثري شيّده والٍ عثماني عام 1897 وحوّله سرايا
المكتبة الوطنية في بعقلين تختصر حقبة من التاريخ والتراث

"النهار" --- الاثنين 21 حزيران 2004

الشوف - من عامر زين الدين:

عندما اختارت بعقلين ان تكون مدينة التواصل الثقافي، كان وجود المكتبة الوطنية فيها ركناً اساسياً ليس من اركان الثقافة فحسب، وانما من التراث والحضارة والتاريخ. والتراث نوعان: غنيّ وفقير، الاول يشكل خزّاناً لحقبات وأزمنة تقلبت طوال العهود الماضية، ويعبق من بين حجارته شذى التاريخ، والثاني يحكي سيرة قروي أو فلاح عاش بسيطاً ومات وهو على "قد الحال".
والمكتبة الوطنية في بعقلين أو ما كان يعرف بـ"السرايا"، حيث كانت تضم سجناً مظلماً، لكن الأمور ما لبثت ان تبدلت وتحوّل السجن واحة للتراث والثقافة والحرية جعلت من ذلك المكان ملتقى للمثقفين والمبدعين والمفكرين والادباء والشعراء وروّاد المعرفة والعلم. وبناء على متابعة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط واهتمامه تحوّل المكان من سجن الى مكتبة عامة، واصبح في ما بعد تحفة معمارية مميزة وسط منطـقة الشوف.
بعد الدرج الصخري الضخم الى القاعة الكبيرة حيث تقام الاحتفالات والندوات، تتوزّع الغرف والاقسام في طبقتين لكل منهما وظيفة: قسم للاطفال، وآخر للتوثيق، وتعلّم اللغات، والانترنت، ومكتبة الاطفال، والمكتبة العامة، وصولاً الى الاقسام الاخرى.
نشأة المكتبة
وفي لمحة عن المكتبة ونشأتها، فان احد الولاة العثمانيين شيّد هذا المبنى التاريخي لممارسة الحكم، وقد تمّ تدشينه عام ،1897 استخدمته الدولة لاحقاً كمدرسة ومركز لبلدية بعقلين، ومحكمة (قاض منفرد) على مراحل مختلفة، ثم اقامت فيه مخفراً للدرك وسجناً فرعياً حتى حزيران 1982 (الاجتياح الاسرائيلي للبنان) وبقي المبنى الاثري شاغراً حتى عام ،1987 تاريخ افتتاح المكتبة الوطنية في بعقلين. ثم حوّله النائب جنبلاط من سجن مظلم الى مكتبة عامة ومنارة اشعاع، بعدما قام بترميمه من الداخل والخارج، وزوّده بكل ما تحتاج اليه المكتبة العامة من تجهيزات ومفروشات ومصادر للعلم والثقافة والمعرفة والبحث، اضافة الى المراجع والموسوعات والكتب والدوريات المختلفة الانواع واللغات والاهتمامات. ثم افتتحها في 13 آذار 1987
واعتبر مدير المكتبة غازي صعب ان الاسباب التي حملت النائب جنبلاط على انشاء المكتبة هي:
"- لا يوجد في منطقة الشوف او في جبل لبنان مكتبة عامة (صغيرة كانت ام كبيرة) تمكن المواطن من البحث عن شتى الطرق التي يمكن ان تؤمن وتوفر له الثقافة والقراءة والحصول على المعلومات.
- استخدام هذا المبنى الاثري الجميل من قبل الدولة بطريقة غير صحيحة على مر العهود.
- الاجتياح الاسرائيلي للبنان (عام 1982) افرغ هذا البناء من السجناء وحراسهم.
- كان لا بد من اعادة الحياة الى هذا البناء الفارغ، واستخدامه بطريقة افضل واكثر فائدة للمواطن.
- ان اعادة الحياة الى هذا البناء، يعني المحافظة على أثر تـاريخي بارز.
- ايجاد مكان او مؤسسة تستطيع جمع المواطنين حول اهداف سامية في مكان يعتبر ملتقى العديد من المفكرين والمبدعين ونتاجهم والشباب وكل المؤمنين بالحوار والعيش المشترك سبيلاً الى رقي الوطن والانسان فيه.
- تجذير عادة المطالعة في صفوف ونفوس الشباب والطلاب وافراد المجتمع قاطبة.
- العمل على تطوير هذه المكتبة في وقت لاحق لكي تتمكن من تزويد زوارها بأهم مصادر النتاج الفكري والعلمي، ثم مواكبة عصر التقدم والمعلوماتيـة الذـي بـدأ يلوح آنذاك، عبر تـوفـير التـجهـيزات التكنولوجية وخدمة الانترنت.
- العمل على ان تكون المكتبة مركزاً ثقافياً مجتمعياً لتشجيع الحوار والتواصل والالتقاء، وتبادل الآراء والخبرات بين ابناء المنطقة الواحدة بمختلف انتماءاتهم الدينية وبين جميع ابناء المجتمع.
- توفير عدد من الكتب والمراجع والموسوعات ومصادر المعرفة المختلفة، اضافة الى الدوريات المتنوعة والمختلفة الاهتمامات.


اكثر من سبب
أما لماذا تبنت الدولة (وزارة الثقافة) المكتبة الوطنية في بعقلين، قال صعب:
"أثر عودة الاوضاع الى نوع من السلم الاهلي والاستقرار الامني والسياسي، اجرى النائب جنبلاط محادثات مع المعنيين لاعادة المبنى الذي تشغله المكتبة الى الدولة (وهي مالكته) على ان تتم المحافظة على هذه المكتبة الفريدة، فقدم كل موجوداتها ومصادر معلوماتها والتجهيزات وما أنفقه عليها من ماله الخاص، وطلب اعتبارها مكتبة عامة تتبع للدولة، فأصدر مجلس النواب قراراً تحت رقم 44 تاريخ 9/10/96 واعتبر فيه هذه المكتبة مؤسسة رسمية تابعة لوزارة الثقافة، التي تعاقدت مع عدد من المكتبيين العاملين فيها: ونعتقد ان الاسباب الموجبة التي دعت الدولة التي تبنّي المكتبة هي:
- ان المبنى الذي تشغله المكتبة هو من ممتلكاتها.
- لا يمكن اعادة الامور الى ما كانت عليه سابقاً، اي اغلاق مكتبة عامة واعادة تحويلها سجناً، فكان لا بد من تشريع المكتبة الوطنية.
- تقديم النائب جنبلاط كل موجودات المكتبة وتجهيزاتها الى الدولة من دون اي مقابل مادي.
- وجدت الدولة انها امام حال فريدة لا يمكن التغاضي عن المبادرة الى تلقفها، وهذا الامر لا يرتب على الدولة اي نفقات لانشاء مكتبة عامة.
- بعد ان اصبحت المكتبة على مستوى وشأن عاليـين، كان لا بد من تأمين الظروف والقرارات المناسبة لتوفير استمرارها وقانونية وجودها.
- دور المكتبة المتميّز في التعاطي الاجتماعي وخدمة الناس من دون اي تمييز، وفي عملية استقطاب دور لا بأس به في عملية عودة المهجرين، وتعزيز العيش المشترك (عبر النشاطات الثقافية التي كانت ولا تزال تقام في قاعة المحاضرات فيها)، او عبر المشاركة في معظم النشاطات التي تقام خارجها.
- هو عدم وجود اي مكتبة عامة مماثلة او في مستواها او حتى مشابهة في المنطقة (جبل لبنان) بل وفي مناطق اخرى من لبنان (سوى بالطبع المكتبات الاكاديمية التابعة لبعض الجامعات كمكتبة الجامعة الاميركية، او اللبنانية - الاميركية، او العربية، او اليسوعية، وغيرها من الجامعات في لبنان)، وبعض المكتبات العامة الصغيرة والقليلة في بعض المناطق اللبنانية آنذاك".
وأضاف: "إن موقع المكتبة الجغرافي اكسبها اهمية بحيث تشكّل مدينة بعقلين وجارتها دير القمر، ومدينتا شحيم وبرجا بالنسبة الى منطقة الشوف الخزان والثقل النوعي والبشري والاقتصادي والبيئي والتربوي والفكري التأريخي والمعاصر.
وتابع: "لطالما اعتقد كثر من المؤرخين ان الوضع الاجتماعي السياسي في منطقة الشوف والتكوين السكاني والطائفي، والتنوع ضمن الوحدة قد جعل منها منطقة مؤثرة في النسيج اللبناني الوطني، ان على صعيد جبل لبنان او على صعيد الوطن عموماً، وهي حلقة مركزية من حلقات الوحدة الوطنية والعيش المشترك والتواصل الثقافي والفكري والاجتماعي ناهيك بالتواصل السياسي.
واستناداً الى موقع بعقلين المميز، فان دور المكتبة الوطنية التي قامت في احدى تلك الامكنة اللبنانية المؤثرة كان دوراً مميزاً ومعبراً عن اهمية التواصل والحوار واللقاء وقامت في خلال السنوات المنصرمة (ضمن امكاناتها وقدراتها وحجمها) بهذا الدور عبر اقامة الانشطة الثقافية والمجتمعية المتعددة. ومن المتوقع ان تزداد هذه الانشطة بتنوعها ونوعيتها عندما نتمكن من استكمال بناء "المجمع الثقافي" التابع لها، والذي يضم مسرحاً متكاملاً يتسع لـ550 مقعداً، قاعة للمحاضرات وورش العمل والدورات التدريبية، وقاعة الانترنت (تتسع لـ45 شاشة كومبيوتر)، وقـاعة للمعارض وقسم التوثيق والارشيف الذي سينقل الى المبنى الجديد لكي نتمكن من توسيع قدرة استيعاب المكتبة العامة. وهذا ما يتيح مـزيـداً من الربط والتواصل والاحتكاك بين المواطنين، من مختلف المناطق اللبنانية، ووضع هذا المجمع الثقافي بتصرف الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية، والمدارس والمعاهد الرسمية وغير الرسمية، وبلديات المنطقة لاقامة المؤتمرات والنشاطات المتنوعة، ومعارض الفنون التشكيلية ومعارض الكتب وغيرها، من دون تكبد نفقات لا ضرورة لها".
اضاف: "يمنح ذلك المكتبة القدرة على استيعاب الاقسام وزيادة عدد الطاولات المخصصة للمطالعة وعدد المقاعد، وتالياً زيادة امكانات المكتبة على استيعاب اكبر عدد ممكن من الرواد الجدد (من مختلف الاعمار والمستويات).
ولا بدّ من الاشارة الى ان استكمال "المجمع الثقافي" سيكون له ابلغ الاثر في حياة المجمع الثقافية والابداعية والفكرية، عندما تفتح المكتبة الوطنية آفاقاً واسعة امام المبدعين والمفكرين والفنانين التشكيليين، فضلاً عن المبدعين الشباب من ذوي المواهب الخلاقة، لايصال اعمالهم والاطلالة على شريحة كبيرة من الناس، من دون ان يتكبدوا نفقات طائلة قد لا تناسب اوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.

Back to Baakleen News page