يوسف حسن (لبناني وسيف يماني)

يوسف حسن (لبناني وسيف يماني)

ابن بتلون

الانوار --  تشرين الأول (أكتوبر) 2007        

نجيب البعيني

 
ديوان (لبناني وسيف يماني) لصاحبه يوسف حسن يحمل بين دفتيه قصائد أحد شعرائنا الأفذاذ، وأحد كتّابنا المميزين، الذين كان لهم فضل لعب دور كبير في اليمن السعيد، فكان شاهداً على الحدث، بما عرف عنه من دماثة خلق، وشخصية فذّة، ومزايا نبيلة، أهّلته ان يكون صاحب مركز رفيع وأحد بناة النهضة الفكرية في اليمن. كان ملماً بشؤون السياسة والقانون والتاريخ والفقه الإسلامي واللُّغة والقتال والجهاد.

ولد في (بتلون) الشوف في سنة 1881م. درس عشر سنوات في مدرسة القرية. ثمَّ دخل المدرسة السلطانية (حوض الولاية) في بيروت، ثم التحق بـ(الكلية الشاهانية) في اسطنبول ايام حكم السلطان عبد الحميد حيث درس الحقوق وعلم الإدارة والسياسة وتخرّج منها محامياً. بعد تخرّجه في المدرسة السلطانية عين مديراً لمدرسة الصنائع في بيروت (كلية الحقوق حالياً). ما بين عامي 1907 و1910 عيّن معاوناً لوالي بيروت، ثمَّ قائمقاماً لمدينة (جبلة) السورية الساحلية. ثمَّ جاء الى لبنان فتمرّس في مكتب الوالي رشيد باشا لمدة ثلاث سنوات في شؤون الإدارة والحكم... وعاد من ثمَّ الى (اسطنبول) حيث مثل امام (مجلس انتخاب المأمورين) برئاسة وزير الداخلية التركية يومذاك عن المكان الذي يود الإلتحاق به، فكان جوابه التحاقه بمنطقة من مناطق اليمن، فعيّن قائمقاماً لقضاء (إب) ثمَّ أصبح متصرفاً للواء (الحديدة). عاد يوسف بك حسن الى لبنان ثانية في سنة 1921 فعمل فترة قصيرة كمحام، ولكنه وجد فرصة للإنتقال الى سورية، فكان عمله رئيساً لمحكمة البداية ثم رئيساً لمحكمة الاستئناف في (السويداء) بجبل الدروز، حيث حصل على الجنسية السورية، وأُحيل على التقاعد وبقي في سورية الى سنة 1955، ثم عاد ثالثة الى لبنان ليستقرَّ فيه بصورة نهائية... حيث

 

سكن في مسقط رأسه (بتلون) واخذ ينظم قصائده ويكتب مذكراته معتكفاً للراحة والهدوء منصرفاً للواجبات والحياة الاجتماعية.
* * *
وبعد وفاته قام ولده عاصم (مدرس ثانوي في عدد من المعاهد). بجمع تراثه والاهتمام بقصائده فأصدر ديوانه الاول، مشتملاً على قصائد نظمت في مناسبات مختلفة، وكان هذا الديوان الجامع الشامل لمعظم كتاباته وشاهداً على عصر كان يعج بالاحداث والوقائع الجسام في مختلف القضايا العربية والإسلامية التي عصفت بالعالمين العربي والاسلامي في تلك الحقبة.
وقد بوّب هذا الديوان على الشكل التالي:
1 - اليمانيات.
2 - الشعر السياسي.
3 - الرثاء السياسي.
4 - الشعر الاجتماعي.
5 - تحرّر افريقيا.
6 - الشطرات أو المقطعات.
7 - تحية الأبناء.
وإذا ما تصفّحنا هذا الديوان مليّاً، فاننا نجد ان وراءه شاعراً مجيداً، كان محلقاً في الشعر... وانه يخفي خلف قصائده إنساناً عُرف بعروبيته وقوميته ووطنيته وانه استمات في سبيل هذه القومية العربية.. حتى إنّه عُرف بـ(شاعر العروبة) من رأسه الى أخمص قدميه.
لقد تغنى بعروبيته فكان أصيلاً عربياً.. وكانت (اليمانيات) وما نظمه تمتد في خلال اقامته في اليمن السعيد بين فترة 1910 الى سنة.1921 أعذب القصائد بحيث كانت في معظمها تدور حول الوطنية والجهاد في سبيل الاستقلال والتصدي لمؤامرات الاستعمار والطغاة.
ففي أثناء جهاده في لحج ضد البريطانيين على رأس المجاهدين.. أرسل كتاباً الى السيد أبي بكر الحداد كاتب تحريرات قضاء (اب) ضمّنها.
هذين البيتين حيث قال:
أهديك سفراً ومن اثمار اشعاري/يحوي النفائس من نثر واشعارِ/فأجلُ عروس المعاني من صفائحه/واقبله مني والتاريخ تذكاري
جاءه كتاب تهنئة بعيد الاضحى من القاضي علي عبيد حاكم بلدة (ميدي) شمالي اليمن فأجابه:
أتاني بتبريك فتهت مسرّةً/لأنه في صك المودّة تأكيدُ/أقابلكم بالشكر أضعاف مثله/تمنٍ بطيب العيش والعز محمودُ
قال في ذكرى سعد باشا زغلول:
يا راعي الحقّ في الحياة/وكعبة الناس في المماتِ/مصر تناجيك في ضحاها/وفي عشاها وفي الغداة/فرّد كيد العدى اليهم/بنوك بالصبر والثبات/يا سعد نمْ هانئاً فمصرُ/مشت الى شاطئ النجاة
وقال في رثاء الامير شكيب أرسلان في سنة 1946 قصيدة منها هذه الأبيات:
الخطب جلّ عن البيان وسحره/فلنرفع التكبير والتهليلا/لا ترهقوا الأقلام في تبيانه/لا يبتغي وضحُ النهار دليلا/ولنترك الأقوال فيه وحسبنا/من نخبة العظماء ما قد قيلا/من قد مضى عنّا فليس براجع/لم يجدنا كثر النواح فتيلا
وقال ابياتاً تحت عنوان (امتداد الحياة) في 11 تشرين الاول سنة 1964:
المرء يجري العمر في دوّامة/من فجره لمغارب الشمس/ومكرّراً هذا طِوالَ حياته/حتى يغيبَ في دُجى الرمسِ/هذا مجالي في الحياة فلا/تتضجرّي في العمر يا نفسي
وقال في صيف عام 1955، بعد مغادرته (السويداء) بجبل الدروز وتركه آخر منزل كان يقيم فيه تمهيداً للعودة الى لبنان، وطنه الكبير:
تأمَّل في الورى يا صاح تعلَمْ/بأن لم يدم في الارض حالُ/نزلنا ها هنا ثمَّ ارتحلنا/كذا الدنيا نزولٌ وارتحال
* * *
وهكذا ينقلنا الشاعر من قصيدة الى قصيدة مصوّراً مشاعره وعواطفه في مناسبات واحتفالات شتى.
هذا الرجل الذي عُرف بحميته واندفاعه بين بني قومه وبني وطنه، فكتب بمصداقية رفعته محلقاً غريّداً في سماء الشاعرية، في جميع ابواب الشعر، فكان شعره عابقاً بنفحة من الإلتزام نحو القضايا الوطنية والعربية والاجتماعية والانسانية والأدبية، وكان الشعر يتدفق سيّالاً على الورق فخط وصوّر بقلمه معظم الأحداث التي دارت في بلده وكلها تنبض حيوية وقوة واندفاعاً وغيرة وحمية تجيش بالاحلام والاماني والتطلعات الى مستقبل وغد افضل.

اغمض الشاعر يوسف حسن عينيه في 26 من شهر تشرين الثاني سنة 1969، مطمئن البال، مرتاح الضمير، عن 88 عاماً، قضاها في الكدّ والعلم والعمل والجهاد والكفاح، فعين قائمقاماً ثم أصبح متصرفاً في ايام السلطان عبد الحميد ليكون أول لبناني يحكم اليمن.

* لبناني وسيف يماني، الدار التقدمية، تحقيق وتدقيق عاصم يوسف حسن، في 432 صفحة، من القطع الوسط، الطبعة الاولى، سنة 2007

 

Back to Batloun News page