استغرق بناؤه ثلاثين سنة

استغرق بناؤه ثلاثين سنة
قصر بيت الدين.. صرح معماري يبرز جماليات العمارة اللبنانية

10/19/2007

بيروت ـ (الوطن):

يعتبر قصر بيت الدين ثاني أبرز المعالم السياحية والأثرية في الذاكرة اللبنانية بعد قلعة بعلبك، والأول في الذاكرة السياسية حيث تم اعتماده مقراً لإدارة حكم لبنان على مدى قرن من الزمن تقريباً. فقد شيد هذا الصرح التاريخي في مرحلة انتهاء الإمارة المعنية وبداية الإمارة الشهابية وهو بعد ذلك يؤرخ لمراحل الحكم السياسي وتعاقب الجهات التي حكمت لبنان بدءاً من عهد المتصرفية والولايات العثمانية وصولاً الى الإنتداب الفرنسي ومن ثم كمقر صيفي بعد استقلال لبنان.
من الناحية الهندسية والمعمارية، يعتبر قصر بيت الدين، صرحاً معمارياً يبرز جماليات الفن العربى والمهارة اللبنانية في القرن التاسع عشر، وقد قام ببناء القصر أمهر البنائين اللبنانيين في حينه (رستم ويوسف مجاعص من بلدة الشوير) عاونهم عدد من المهندسين الأوروبين وعدد من المهرة الفنيين السوريين لصنع الفسيفساء وصقل الرخام الذي أحضر من فلورنسا في إيطاليا ليرصف أرض هذا القصر الجميل القائم على صخرة كبيرة مشرفة على منحدرٍ إلى وادٍ بديع في بلدة بيت الدين الجبلية والتي ترتفع نحو 850 متراً عن سطح البحر، وقد استغرق بناء هذا القصر بقاعاته الواسعه وأبراجه التي اتخذت أشكالا مربعة قريبة من الهندسة المغاربية، مدة ثلاثين سنة، وقد زيّنت جدرانه وقاعاته بزخارف رائعة الجمال تتخللها عبارات تتضمن أقوال مأثورة من الحكم العربية، أضف إلى ذلك الحدائق الموزعة على جنبات القصر. وقد أقامه الأمير بشير الثاني الشهابي الذي حكم جبل لبنان في الفترة ما بين عام 1788 و1840م.
يدخل الزائر الى قصر بيت الدين الذي يبعد حوالي أربعين كيلو متراً من بيروت، على ساحة فسيحه هي ميدان القصر ويبلغ طولها 107 أمتار وعرضها 45 متراً أعدّت لحفلات الفروسية، وتطل عليها شرفات القصر بطابقيه الاثنين المزينين بالقناطر ذات العقد القوسي التي يمتاز بها البناء الشرقي أو العربي الاسلامي.
الطابق الأرضي مؤلف من غرف عدة مدعّمة بالقناطر المعقودة، كانت تستعمل كاسطبلات وثكنة لخيالة الأمير الستمائة ومشاته الخمسمائة. أما الطابق العلوي يتألف من قاعات وغرف معدّة لاستقبال الضيوف في الجناح المخصص لهم حيث يطلون منه على ساحة الميدان، وكانت أصول الضيافة في تلك الأيام تقضي بأن يستقبل القصر جميع زواره لمدة ثلاثة أيام دونما حاجة إلى التعريف عن أنفسهم. وقد جرى ترميم هذا الطابق الذي يصعد إليه بدرج، عام 1945 بالاستناد إلى وثائق وصور قديمة تعرّف بذلك، كذلك في هذا الطابق، أجنحة خاصة بالأمير وأسرته وبعض الحاشية الخاصة به، إضافة الى عدد من المسؤولين عن شؤون الدولة وموظفي القصر حيث كان هؤلاء يقيمون في القصر بصورة دائمة.
تزيّن غرف القصر المطلة على الباحة الشرفات والمشربيات البالغة الروعة الهندسية من الخشب، والمستديرة والمربعة الأشكال. وفي الباحات الداخلية والخارجية تنتشر برك الماء التي تزين جوانبها نمانم وزخارف تحمل رسوم من الآرابسك بالسيراميك الملون.
وحتى عشية الحرب اللبنانية (1975 _ 1990) كان محتف القصر يحوي متاعاً وألبسة وأسلحة تمثل بعض أوجه الحياة اللبنانية في عصر الإقطاع، ثم أضيفت إلى هذا المتحف مجموعات من القطع الأثرية وأطلق عليه اسم (متحف رشيد كرامي).
اليوم يضم المتحف، مجموعات من الفخاريات التي تعود إلى عصري البرونز والحديد وأخرى من الزجاجيات الرومانية بالإضافة إلى مجموعات من الحلي الذهبية والنواويس الرصاصية الرومانية والفخاريات المزججة الإسلامية، فيما تضم قاعاته الأخرى أشياء ذات قيمة إثنوغرافية، ومنها ثياب من عصر الإمارة ومجموعة كبيرة من الأسلحة القديمة والحديثة، وقد نقلت إلى المتحف الفسيفساء البيزنطية التي عثر عليها في اثناء الحرب اللبنانية الأخيرة في كنائس بيزنطية اكتشفت في موقع (الجية)، الى الجنوب من بيروت، وهي تضم مجموعة من أجمل مجموعات الفسيفساء، وبحسب الكتابات اليونانية المنقوشة عليها، فإن هذه الفسيفسآت تعود إلى القرنين الخامس والسادس ب.م. وهناك عدد آخر من الفسيفسآت التي عُثر عليها في مواقع أخرى، وقد تم عرضها في الحدائق المحيطة بالمتحف.
وقد عرض في القاعة الأولى من المتحف، مجسم كبير للقصر يجعل الزائر يأخذ فكرة شاملة عن حجمه وتقسيماته ومقاييسه. وكانت احدى قاعات القصر استخدمت كمحتف خاص بالزعيم الدرزي كمال جنبلاط، إلاّ انه أزيل بعد عودة الحياة الطبيعية الى جبل لبنان.
وفي الجهة الغربية من الميدان، درج عظيم ذو سلمين يفضي الى الدار الوسطى، التي تضم بشكل اساسي جناح الإدارة. ويتميز هذا الجناح ببوابته المزينة بالفسيفساء المرمرية ذات الأسلوب الدمشقي ونقوشه وزخارفه التي دفعت بالبعض الى تشبيه قصر بيت الدين بقصر الحمراء الأندلسي.
إلى الجهة الشمالية الغربية من باحة الدار الوسطى يقوم القسم الثالث من القصر، ويتألف من أجنحة القصر الخاصة المؤلفة من دار الحريم العليا وقاعة الاستقبالات ودار الحريم السفلى والمطابخ التي كان عليها تحضير ما لا يقل عن خمسمائة وجبة طعام يومياً لإطعام رواد القصر وساكنيه، والحمامات الرومانيبة التي تعتبر من بين أجمل ما خلّفته عمارة تلك الأيام في هذا المضمار، فهي تتألف من تعاقب عدد من الغرف التي تبدأ بالغرفة الباردة فالفاترة فالحارة.
الغرفة الباردة كانت تستخدم كمشلح وكغرفة جلوس يتحدث فيها روّاد الحمّام بالأمور اليومية أو بشؤون السياسة أو يستمعون إلى بعض المؤلفات الأدبية أو الشعرية. أما الغرفة الفاترة فكانت بمثابة المعبر الذي لا بد منه للانتقال من الجو البارد الى الجو الحار، أو بعكس ذلك وغالباً ما كانت تستعمل للراحة والتدليك. أما الغرفة الحارة فكانت معدة للاستحمام أو للتعرق في جو البخار الحار، وكان الهواء الحار يجري من تحت أرضيتها المحمولة على أعمدة صغيرة، كما كان يجري في داخل جدرانها عبر قساطل خزفية تتخللها.
وتطل الحمامات على حديقة أقيم عند طرفها ضريح مقبب يحتوي قبر (الست شمس)، زوجة الأمير بشير الأولى، وفيه دفنت رفاة الأمير بعد أن نقلت من اسطنبول الى لبنان عام 1947 بطلب من رئيس الجهورية بشارة الخوري آنذاك. ويتم الدخول إلى هذا المجمع عبر بوابة مزخرفة تعتبر من أجمل ما خلّفته العمارة الشرقية في تلك الفترة.
أما غرفة الانتظار التي سميّت قاعة العمود لأنه يتوسطها عمود واحد يرتكز بناؤها عليه، فهي تحاذي قاعة الاستقبال، المعروفة بـ(السلملك)، والتي بنيت على مستويين، خصص مستواها الأعلى لجلوس الأمير ولبعض زواره الكبار. وهذا الجناح من أكثر اجنحة القصر زخرفاً، وقد زينت جدرانه وسقفه بالمنقوشات والفسيفسات المرمرية المتعددة الألوان، ناهيك عن الآيات الحكمية المرموقة عليها.
بعد عام 1991 وحين بدأت الأوضاع في لبنان تميل الى الهدوء، عاودت النشاطات الفنية الى هذا القصر من خلال مهرجانات بيت الدين السنوية التي كانت تستضيف العديد من الوجوه الفنية الوطنية والعربية والعالمية. وشكلت لجنة لهذه المهرجانات تشرف كل سنة على اختيار الفعاليات التي ستشارك في المهرجان.
وكانت آخر حفلات مهرجانات بيت الدين الفنية في العام 2005 حيث اٌقيمت فعاليات المهرجان بالرغم من الوضع الذي كان سائداً حينه بسبب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن معه، ومن الوجوه التي استضافها مهرجان بيت الدين: الهندي رافي شنكر وهو من أهم الموسيقيين الذين جمعوا الشرق والغرب. وفرقة (يو بي تو) لموسيقى البوب وأخرى لرقص الفلامنكو.
وكانت وجوه فنية عالمية قد أطلت على الجمهور اللبناني من أمثال موريس بيجار وفرقته الراقصة، و نجم الروك غوران بريفو فيتش والنجم العالمي نايجل كينيدي الذي يعتبر أحد أفضل عازفي الكمان في العالم والذي دخل موسوعة غينيس لتحقيقه أكبر نسبة مبيعات لاسطواناته الكلاسيكية.
تذكر المدونات ان هذا القصر اعتمد مقراً لحكم لبنان بعدما كانت المناطق اللبنانية منذ القرون الوسطى اقطاعات يحكمها عدد من الأمراء والمشايخ. وفي بدايات القرن السابع عشر، تمكن أحد هؤلاء، وهو الأمير فخر الدين الثاني المعني (1590-1635)، من السيطرة على الأسر الإقطاعية الأخرى، فبسط سلطته على غالبية المناطق التي تشكل الأراضي اللبنانية المعاصرة، وكانت بلدة (بعقلين)، عاصمته الأولى. في نهاية القرن عينه، وبانقراض سلالة بني معن، انتقلت السلطة إلى نسائبهم من بني شهاب. وقام أحدهم، وهو الأمير بشير الثاني (1788-1840) بنقل عاصمة الإمارة إلى (بيت الدين).
وقد تحول القصر، مقراً للولاة العثمانيين بعد الغاء نظام الإمارة عام 1842 ومن بعدهم لحكام جبل لبنان بين عام 1860 و1915 ومن ثم السلطات الفرنسية المنتدبة على لبنان غداة الحرب العالمية الأولى.
وفي العام 1926 بدأت أعمال ترميم واسعة النطاق للقصر حيث أدخل في العام 1934م إلى لائحة الأبنية التاريخية والأثرية وأصبح منذ العام 1943 المقر الصيفي لرئاسة الجمهورية اللبنانية. وقد انقطع هذا التقليد في فترة الحرب الأهلية في لبنان، ثم عاد واعتمده الرئيس الحالي العماد إميل لحود كمقر صيفي لرئاسة الجمهورية.
ويعاني قصر بيت الدين حالياً، من نفص كبير في الصيانة والترميم، وبهذا الصدد يقول وزير الثقافة اللبناني الدكتور طارق متري أنه زار القصر بُعيد سرقة حلى أثرية فيه العام الماضي، وتبين لي أن جهاز انذاره معطل. ما سهّل وقوع السرقة، وتفاجأت بوجود نشّ وتشقق كبيرين في جدرانه الى درجة تهدد بسقوطها. وأوضح الوزير، وفقاً لتقديرات جهات متخصصة قيمة إنجاز ملف الترميم والصيانة المطلوبة بمليار و960 مليون ليرة لبنانية.

 

Back to Beit Eddine News page