أن تغرس شجرة خير من أن تلعن «تغيّر المناخ» أوسع عملية تشجير للصنوبر والكستناء في «بطمة الشوف»

أن تغرس شجرة خير من أن تلعن «تغيّر المناخ»
أوسع عملية تشجير للصنوبر والكستناء في «بطمة الشوف»

السفير    12-02-2008 ---

خلدون زين الدين

botmeh photo 021208

جانب من الأراضي المشجرة وقد غطاها الثلج بالأمس

باتت مكشوفة للعلن العلاقة المتوترة القائمة بين «تغيّر المناخ»، من جهة، والغابات من جهة اخرى. فالأول يحاول فرض نفسه عبر رفع متوسط درجات الحرارة سنوياً، ويجهد الطبيعة تالياً من خلال العبث بالفصول والمتساقطات، فترد الثانية بابتلاع كميات إضافية من ثاني أوكسيد الكربون، وتخلق التوازن المطلوب.

في المقلب الآخر للصورة، تبين الدراسات أن أي تدمير للغابات يؤمن فضاء رحباً للغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري. والسؤال المطروح: أي واقع سيفرض نفسه، وكفة من ستُرجّح النشاطات البشرية؟
...
سكان بلدة بطمة الشوفية حسموا موقفهم من عملية «شد الحبال» القائمة هذه، والتي تحولت الى حقيقة بيئية تتأكد مفاعيلها سنوياً، فوقفوا الى جانب الطبيعة، وغرسوا الأشجار على مساحات شاسعة في إحدى البقع الجغرافية، التابعة لقريتهم، والمعروفة باسم «فُرنَيَّة»، والتي تشكل حداً فاصلاً بين بطمة ومعاصر الشوف، المستلقيتين بدورهما عند أقدام جبل الباروك وتحت رعاية محمية أرز الشوف.
«
نهتم لقضايا البيئة، ونتابع ظواهرها»، يقول سكان البلدة الجبلية هذه، التي ترتفع 1000 متر عن سطح البحر. لم ينل تطرّف الاحتباس الحراري من عزيمتهم، فمع أول «هبّة ساخنة» بدأوا بزراعة المنطقة التي يصفونها بالمقصودة والمعروفة سياحياً من خلال وجود شجرة ـ رمز في أحضانها، معروفة بـ«سنديانة أم شراطيط»، بعدما نقلت أباً عن جد معلومات مفادها انه جلس في ظلالها أحد الأنبياء وبدأ الناس يقصدونها ليعلقوا عليها نذوراتهم، وتُشرف على مساحات من الاراضي تعتبر بغالبيتها الساحقة خالية... إلا من الأعشاب البرية، والقليل القليل من الأشجار البرية، المتباعدة عن بعضها.
و«فرنيّة» التي كانت تزرع في القديم بالقمح ـ كما يروي كبار السن ـ نظراً لموقعها المتناسب وحركة الرياح، شهدت فترات طويلة من الإهمال، رغم كونها بقعة جغرافية متميزة تضم أعدادا غير قليلة من النواويس والمغاور والمنحوتات الطبيعية، الموروثة عن مئات السنين الغابرة، الى أن وصلت الهبات الساخنة صيفاً، والباردة حد الصقيع شتاء، وتزايد الحديث عن الاحتباس الحراري في العام 2006 تحديدا، وازدادت الحرائق بشكل لافت، فاتخذ أبناء البلدة قرارهم المُبرم وباشروا، كلٌ في الأرض التي يملك، بزراعة أشجار الصنوبر، الكستناء، والخروب، بعد استصلاح أراضيهم وإزالة الأعشاب اليابسة منها. هدفهم الأساسي من ذلك، تدعيم موقف البيئة في وجه ظاهرة الاحتباس الحراري، قطع الطريق على التصحر، إضفاء مزيد من الجمالية على المنطقة، والحصول أخيراً على فائدة اقتصادية على المدى البعيد من خلال زراعة الصنوبر المثمر الذي يحتاج الى 12 سنة ليبدأ بالانتاج، كما هو معروف.
إفادة بيئية واقتصادية
«
أن تزرع شجرة خير من أن تلعن الاحتباس الحراري»، يقول خالد زين الدين، الذي كان وشقيقه عامر في طليعة المتحمسين لاستصلاح أراضيهم. ويستدرك: التنفيذ أتى بمبادرات فردية، قمنا بها لتُعمم لاحقاً على كل من يملك أرضاً في «فرنيّة». وبلمح البصر تحولت الحقول الى أماكن مستثمرة ومزروعة بشكل جيد، تعد مستقبلاً بأحراج تساهم، ولو على قياس صغير، بمقاومة الاحتباس الحراري من جهة، كما يمكن الاستفادة منها اقتصاديا من جهة اخرى من خلال الاشجار المثمرة».
من أين أتت الفكرة، ومتى بدأت الزراعة؟ يجيب زين الدين: «في العام 2006 بدأت أفكر بمشروع ما لاستثمار الأرض التي أملك. وبعد ازدياد الحديث عن ظاهرة الاحتباس الحراري وأهمية التحريج ودوره الايجابي في مقاومة هذه الظاهرة، فكّرت وشقيقي في أن نزرع الأرض بالأشجار المثمرة التي يمكن أن نستفيد منها مستقبلا ونفيد في الوقت نفسه البيئة. وخلال فترة صغيرة وجدنا أن كل من يملك أرضاً قام بما قمنا به، لتنتشر ثقافة زراعة الاشجار في العقارات كافة والتي تساهم اولا بامتصاص ثاني أوكسيد الكربون، كما تضفي جمالية واضحة على المنطقة، إضافة الى إمكانية الاستفادة من الصنوبر والكستناء وان بعد فترة طويلة، لا سيما أن التربة تتلاءم وزراعة كهذه».
وكيف كان حال الأراضي في السابق؟ يقول زين الدين: «في القدم كانت الأراضي الشاسعة الموجودة تزرع بالقمح، اذ ان المكان ممتاز لمثل هذه الزراعة، لا سيما أن حركة الرياح يمكنها أن تساعد في مرحلة الحصاد، إلا انه ومع الايام، خفت هذه الزراعة كثيراً، فلم تعد تجد حقلا مزروعاً، وساهمت الحرائق في القضاء على الكثير من الأشجــار وقتــذاك، لتنتشر بعد ذلك الحشائش البرية بكثرة، خصوصــاً مع ارتفاع الحرارة وما تسببه من «كــوارث ناريــة». وقد قمنا بداية بعملية استصلاح الاراضي، لتبدأ بعد ذلك عملية التحريج بالأشجــار المثمرة، فالعملية ليست مكلفة كثيرا مادياً، لكن فوائدها البيئية ـ الاقتصادية كبيرة على المديين المتوسط والبعيد».
ويعرب نيبال بركات (يملك أرضاً في فرنية) عن سروره بزراعة الارض واستثمارها بشكل جيد ومفيد للبيئة وللمواطن في آن، لا سيما مع ازدياد الحديث عن الاحتباس الحراري. ويضيف: «قمت بزراعة نصوب الصنوبر، وزرعت مساحة كبيرة، وقد فصلت بين الشجرة والشجرة مسافة ثلاثة أمتار(...)».
وعن الكلفة يقول: «يمكن شراء النصبة الواحدة من الصنوبر بـ2000 ليرة كمعدل وسطي، وهذا يعود الى حجم الشجرة وعمرها ونوعيتها، أما بالنسبة للكستناء، فالشجرة الايطالية الجنسية منها يبلغ ثمنها 30 الفاً، لكننا نقوم بشراء شجرة بسعر 7 آلاف ونلقحها لتتشابه مع تلك الايطالية، المتميزة بجودة ثمارها».
ويقول مواطن آخر إن الناظر من بعيد الى «فرنية» كان يجد مساحات جرداء، إلا ان الرؤية اختلفت الآن، ولو ان مناطق لبنانية اخرى تقوم بما قامت به بلدة بطمة لأمكن عندها زيادة المساحات المزروعة والخضراء، والقول بكل ثقة إن لبنان «أخضر حلو»، وأشار الى ان المساحة التي تمت زراعتها الى الآن في «فرنية» بلغت حوالى 100 ألف متر مربع ستزداد في فصل الربيع لتشمل المنطقة بمجملها (500 الف متر مربع(.

 

Back to Botmeh page