نهر الدامور

نهر الدامور.. طبيعة عذراء في عصر التلوث

damour river photo

    الأربعاء 12 مايو, 2004--  دار الخليج

لولا طريق اسفلتية تحاذيها كيلومترات عدة تبدأ من مصبه على المتوسط صعودا، ولولا بضعة متنزهات على ضفتيه، لكان نهر الدامور الذي ينبع من عمق الشوف واحداً من الأنهر القليلة القصيرة المجرى التي لم يغْزها التلوث ولم تعبث بها يد الإنسان.

قديما بنى الأمير بشير الشهابي الثاني جسراً على هذا النهر ليكون مدخلاً الى إمارته في الشوف، وحديثاً أقامت الدولة اللبنانية عليه جسرين ومع ذلك بقيت الطبيعة في حوضه عذراء، وبقي ماؤه الجاري نقياً برغم انه غير مصنف كمحية.

لكن الواقع انه “محمية” بحكم الواقع والطبيعة فنظراً لكون وادي نهر الدامور عبارة عن جرف شديد الانحدار، من يمين ويسار، لم يبن الإنسان على ضفتيه منازل. ولم ينشئ معامل، فبرئ مجرى النهر من مياه المجارير ونفايات الصناعة. وأما المتنزهات القليلة قريباً من مصبه، والمتنزهات القليلة عند منبع أحد رافديه (نهر الحمام في إقليم الخروب) فشكل هي الآخر عصمة من تلوث إذ إن اصحاب المتنزهات يدركون ان نقاء النهر وجمال حوضه جزءان من رأس مالهم، ولذلك منعوا الصيد، ومنعوا قطع الأشجار الجائر، فضمنوا بذلك حركة سياحية ولو محدودة، هنا قريبا من المصب وهناك عند منبع أحد الرافدين في الإقليم.

قريبا من المصب، على مسير دقائق من بلدة الدامور، ينبسط الحوض قليلاً فيسمح بنشاط زراعي: بساتين ليمون وموز وخضار، وقديماً سقى النهر بساتين التوت امتدادا من الحوض حتى ساحل الدامور في اتجاه بيروت، ايام كان التوت عماد تربية دودة الحرير، وهو النشاط الاقتصادي الذي كان غالباً في منطقة الجبل، قبل أزمة عام 1930 العالمية، وقبل ان ينحي الحرير الاصطناعي حريراً طبيعياً شغل مصانع الحرير في مدينة ليون الفرنسية.
مُدّ نظرك في اتجاه الشرق، الى سفوح الجبال المتشابكة، كما تشبك أصابع اليدين، فتجبر النهر على التعرج قبل أن يستقيم في الأدنى ويتهادى بغير عنف نحو البحر.
وانظر في هذا الجرف الصخري شديد الانحدار، كيف صار سوراً يحمي النهر ويقول للإنسان: حذار.. لا تقترب بمنازلك ومعاملك وعوادم سياراتك، انظر كيف نبتت في الجرف - ولو كان صخراً - غابة من سنديان وشربين وصنوبر، وكانت مع زرقة السماء وتربة الحوض البنية مهرجان ألوان.
ثمة سور آخر، طبيعي على ضفتي النهر: غابات القصب النابتة في التربة الرملية، تمنع انجراف الرمل والتربة، وتقي المزروعات والبساتين من رياح، هي يد الطبيعة ويد الانسان، تعاونتا ليكون الحوض منتجعاً وبستاناً يدّر الخير في آن.. فحبذا اليدان المتعاونتان في حوض الليطاني، هناك في البقاع، حيث التلوث لا يُبقى ولا يذر.
هنا، في حوض الدامور ايضا تنوع بيئي غني: عصافير لم تعد تهجر لأن بنادق الصيادين رحلت، ونباتات نادرة لا تزال في مأمن من الفؤوس والحرائق، وأسماك نهرية وسرطانات تتحرك في مجال حيوي محمي بالجرف الصخري ومصالح اصحاب المتنزهات.
حوض نهر الدامور نزهة للعين والروح، ومستراح للأجساد المرهقة بالعمل في المدينة، والأعصاب المتوترة بضجيج الشوارع الموبوءة بحضارة العصر!

 

Back to Al Damour News page