By Father Abdo RAAD
Wednesday, June 14, 2009
التمييز مقدمة
يظلّ الله مع
الإنسان
دائماً ويعمل
من أجله
ويدعوه إلى التعاون
معه في قصده
الإلهيّ
والاشتراك
معه في خلاص
البشر. إنما
في ذلك مجد الله
الأعظم وخدمة
البشر الأوفر.
إلا أنّ في الإنسان
وفي المجتمع،
تتصارع
"الأرواح الصالحة"
و"الأرواح
الشريرة"،
فتستخدم هذه مختلف
الحِيَل
والخدع لتحول
دون اكتشاف مشيئة
الله والعمل
بها، لأن
قائدها هو عدو
الطبيعة
البشرية. فما
معنى التمييز؟
ما هو
الروح؟ ما
هو التمييز
الروحي وأين
يتم؟ وكيف
يمييز الإنسان
ليكتشف مشيئة
الله ويعمل
بها ليصل إلى
الهدف الذي
خُلق من أجله؟
ما معنى
التمييز؟ إنّ
لفظة "ميّز، تمييزاً"
في اللاتينية Discernere معناها
ه "الحكم
والفصل
والفرز
والغربلة". فالإنسان
يميّز
تمييزاً، أن
يحكم ويفصل
ويغربل الخير
من الشرّ، عمل
الله من عمل الشرير. ما
هو الروح؟ إنّ
كلمة "روح"
تعني قوة
خارجة عن
الإنسان، قد
تكون سيئة أو خيّرة.
ونستعملها
ونعني بها
شيئاً من
الطواطؤ، أي
إنّ الإنسان
له علاقة بهذا
الأمر
سواء للخير
أو للشرّ، وهي
قوة تتمايز
عنه، وهو
يطواطىء معها
ولكنّه قادر
أن يتحرر منها.
هذا معنى صراع
يسوع ضد روح
الشرّ في الإنجيل،
ويسوع عندما
يصارع
الشيطان فهو يصارع
القوّة التي
تسيطر على
الإنسان. ما
هو التمييز
الروحي؟ "لكي
يستطيع
المرشد أن يشترك
مع يسوع في
خلاص البشر
وتمجيد الآب،
فهناك أسلوب
معيّن ونمط
حياتيّ خاص يتّبعه،
ألا وهو
التمييز
الروحي. فإنه
مع يسوع يمييز
ما هي مشئية
الله في حاجات البشر
ونداءاتهم،
وكيف تُظهر له
هذه الحاجات
والنداءات
مشئية الله.
هذا هو
التمييز الروحي،
أي تمييز ما
يريده الله من
خدمة للبشر.
وهذا ما يسميه
أغناطيوس "المحبّة البصيرة"،
أي المحبّة
الرسولية
التي تميّز مشئية
الله في خدمة
البشر، التي
تتطلب
تمييزاً
روحياً
وبصيرة
متدربة
لإكتشاف أنسب
خدمة ممكنة،
كما تهدف إلى
تمجيد الله. وكما
يقول أحد
الآباء "إنّ
دور التمييز
الروحي هو البحث
عن عناصر
العمل الإلهي الثابتة
فينا، عن
الحركات
والدوافع
الباطنية،
لنستطيع أن
نرسم الخط
الثابت الذي يسير
عليه الحضور
الإلهي، الذي
يتجلّى بمفاعيله
أو بمميزاته :
السلام
والفرح والإنسجام
الباطني
والشجاعة
الباطنية أي ثمار
الروح. وكل
خيار معروض
يحمل مفاعيل الحضور
والعمل
الإلهي
ومميزاته. ذاك
هو التمييز" . وللوصول
إلى التمييز
الروحي السليم،
لا بدّ أن
يكون المرشد
"غير منحاز"، محايداً،
حرّاً من
ميوله
الطبيعية وأفكاره
ومشاريعه
وتطلعاته
الشخصية،
فيكشف مشيئة
الله. التدرب
على التمييز
الروحي يتدرب
المرشد على
هذا التمييز
الروحي من
منطلق حياته
الروحية
الشخصية،
التي من خلالها
يصل إلى
التمييز في
الرسالة
لإكتشاف إرادة
الله في
الخدمة
فتمجيد اسمه.
ويتم التمييز
الروحي هذا
داخل الصلاة،
فهي المكان
المناسب
لتمميز إرادة
الله من خلال
ما يحياه
من علاقة
شخصية مع
الله، ومن
خلال اتصالاته
بالبشر
ومتطلّبات
الخدمة الرسولية.
وهناك بوجه
خاص صلاة
مميزة ألا وهي
فحص الضمير
حيث ينير الله
أقوال
المرشد
وأفكاره
وأفعاله،
ليكتشف هل هي
لتمجيد الله
وخدمة البشر
أم لا ؟ هل هي
تُحقق
إرادة الله
فعلاً؟ لذلك
هي تقتضي
تمييزاً مستديماً"
لينمو المرشد
في المسيح.
لذلك هناك
عدة ملاحظات
تساهم في جعل
حركة التمييز الروحي
مسيرة مستمرة: أولاً-
قراءة
حياتنا على
ضوء حضور الرب
فيها: لنعيش
مواقف في
حياتنا
كمواقف
الإنجيل، فلا
نبخل على
أنفسنا
بساعات السهر
والصلاة
والصوم كما
كان يفعل
المعلم، هكذا
يتأون
الإنجيل في
حياتنا، و
نعيش حضور
الرب. وهكذا
مع التمرس
نسير في تمييز
مشيئة الله. ثانياً- التمرس
على "غذاء
الكلمة": لا
نستطيع
اكتشاف حضور
الرب في
حياتنا ما لم
نتمرس على منهجيته
وأسلوبه في
الاعتلان.
الكتاب المقدس،
وأيضاً
كتابات
القديسين
وسيرهم، أُسس نموذجية
تُعرّفنا على
كيفية هذا
الحضور. فإن
التمرس على
غذاء الكلمة
يخزّن فينا شيئاً
فشيئاً روح
التمييز. إن
الإنسان من
أجل حياة هذا
الزمن يأكل
ثلاثاً في
اليوم، فكم
ينبغي أن نأكل
لحياة الزمن
الأبدي. ثالثاً-
الإنتباه
الجيد
والإصغاء
الصحيح: حين نقرأ
قصة المجوس،
يتبادر إلى
ذهننا السؤال
التالي: لماذا
ميّز هؤلاء
الغرباء، دون
غيرهم، أن
هناك "نجماً"
يؤثر على
"المولود
الملك"؟ أليس
لأنهم كانوا
أساساً في حالة
انتباه لحركة
السماء؟ هكذا
مشيئة الله،
لا يمكن
للإنسان أن
يُميّزها ما
لم يتدرب
أساساً على
الانتباه لها
وملاحظتها. خصوصاً
أن الله لا
يكشف مشيئته
عادة بطريقة
مباشرة، وذلك
نظراً لعظمته
تعالى التي
تفوق إدراك
الإنسان،
وأيضاً لكي لا يُستهتر
بها، كما فعل
هيرودوس . فمن
يريد أن يُميّز
مشيئة الله
عليه أن
ينتبه: "إن الله
يتكلم في كل
شيء". ولكن ليس
كل ما نسمعه هو
كلام الله.
لذلك ينبغي أن
نصغي بشكل
صحيح. فهيرودس
طلب من المجوس
أن يخبروه عن
أمر المولود
الملك ليقتله.
ولكن صوته
ليس صوت الخير
بل صوت الشرّ
الذي يلبس ثوب
الخير، ثوب
النور، حين
يقول للمجوس إنه
يريد أن يسجد
له. هل ما
ننتبه إليه
نفهمه كما هو،
أم كما نحن
نريد؟ هل هناك أصوات
كهيرودس
علينا تمييزها
؟ إن الخراف
الأمينة
تميّز صوت
الراعي الصالح.
لذلك نميّز
مشيئة الله
بمرافقة
الكنيسة
الساهرة على
إعلان صوت
راعيها من
خلال كافة وسائلها،
خصوصاً
الصلاة
وإعلان
الكلمة والمرافقة
والإرشاد. رابعاً-
القرار: من القواعد
الذهبية في
التمييز
الروحي، بحسب
القديس أغناطيوس،
"ألا يتخذ
الإنسان قراراً،
أو يغيّر
اختياراً، في
حالة عدم الإستقرار،
أواضطراب أو
أزمة. فحالته
هذه لا
ترشده إلى
الاختيار
بموجب إرادة
الله، التي
تظهر دائماً
في التعزية
العميقة المستمرة"
. ولكن من قاده
الله في تمييز
قراره، يقوده
أيضاً في
تنفيذه
بمرحلة جديدة من
التمييز. لذلك
نقول أن
التمييز
الروحي هو مسيرة
مستمرة. فمن
خلال التمييز
الروحي هذا،
يتدرب المرشد
أن يصير
"مشاهداً لله
في العمل"،
دامجاً في
حياته
التكريس لله والخدمة
للبشر،
والصلاة
والعمل،
واستخدام الوسائل
الإلهية
والوسائل
البشرية،
ساعياً يوماً
بعد يوم إلى
التوحيد بين
حياته
الروحية
وحياته الرسولية،
بين محبّته
لله ومحبّته
للبشر..."فلا
يتناول
التمييز
العقل وحده،
بل قوة النفس
الثلاث:
الوجدان والعقل
والإرادة.
وتتبع هذه
القوة
النفسية ثلاث
مراحل
متداخلة: المرحلة
الأولى التطهير:
حيث تتطهر
النفس
المميزة تدريجياً
من حياتها
الماضية
لتدخل في
حياتها الجديدة.
إلا أنّ هذه
المرحلة من
شأن الوجدان خاصة"
. ويتم
التطهير من
خلال التمييزَيْن
"الإنبساط" و
"الإنقباض". المرحلة
الثانية
الإستنارة:
حيث تستنير
النفس
المميزة
تدريجياً من
نور الله.
وهذه المرحلة من
شأن العقل
خاصة. وتتم
الإستنارة من خلال
تمييز حيل
الشرّير
لمقاومتها
وإبطالها. المرحلة
الثالثة
الإتحاد: حيث
تتحد النفس
المميزة
تدريجياً
بالله. وهذه
المرحلة من
شأن الإرادة
خاصة. ويتم
الإتحاد من خلال
تمييز الجهاد
مع الله داخل
الكنيسة لمقاومة
الشرّير
وقِيَمِه. هذه
هي أهم
عناصر
التمييز
الروحي
المرتبط
بالحياة
الروحية التي
يُلهمها
الروح القدس
ويعمل فيها : فالروح
يُطهِّر من
خلال
الإنبساط
والإنقباض،
وينير من خلال
الفهم
الروحي،
ويوحِّد بالله
من خلال
الجهاد
الروحي.
فالحياة
الروحية إنما
هي أولاً
وأخيراً
الحياة بالله وله، مع
الله وفيه. فالتمييز
الروحي هو طلب
واكتشاف
"الله في كل شيء
وكل شيء في الله".
ويلّخص هذا
التعبير حياة
يسوع كلّها في
علاقته مع
أبيه ومع
البشر، وهذا
قمة ما
يصل إليه
المرشد. خبرة
شخصية: "إنّ
التمييز الروحي
هو "تمييز
بالروح" أي
تمييز
بالروح
القدس، لأنه
هو ينير العقل
في سبيل
التمييز.
ويعلّم كلّ
شيء ويذكّر
بكلّ شيء ويرشد
إلى الحقّ
كلّه (يو14/ 26، 13)،
ويبدّل ويجدد
العقول (رو 12/2)،
ويزيدها معرفة
وبصيرة تسمح
بالتمييز
الأفضل (فيل 1/9 -11).
إنّ الروح
القدس يمنح
الحسّ
الروحيّ لكي
يمييز العقل
بين عمل الله
وعمل الشرّير،
بين المصدر
الإلهيّ
والمصدر الشيطانيّ"
. وهذا
ما اختبرته في
الرياضة
الروحية
الإغناطية في
بداية السنة،
عندما
أكتشفت ضعفي
وطواطئي مع
الشيطان،
وكنت أعتبر
ذاتي قد وصلت
إلى مرحلة
متقدمة روحيّاً،
عندها ثار
جنوني
و"كبريائي"
كيف اكتشفت
ذاتي في هذه
الحالة
السيئة
"أيعقل أن أقوم
بهذه
الأعمال؟"،
وقتئذٍ قررت
أن أترك الرياضة
كي لا أكتشف
نقاط ضعف
وخطايا جديدة،
ولكي أحافظ
على "جمالي
الروحي". ثم خطر
ببالي فكرة
شريرة أن
أنتقم
لكبريائي من
المرشد و
أضربه
بالرصاص. شعرت
بهذه الأفكار
بقوة في عمق
كياني،
وأصبحت في
حالة إنقباض.
فذهبت إلى المرشد
وأخبرته بذلك
وأنا مستهزء
بنفسي. ثم في اليوم
التالي عدت إلى
حالة
الإنبساط
التي كنت
فيها. كما
أن الرياضة
وهذه المادة
يا أبتي
العزيز ساعدتاني
أكثر في
التمييز خلال
مرافقتي لبعض
الأشخاص
ليجدوا
الحلول
المناسبة لهم ليكتشفوا
إرادة الآب.
خاتمة إنّ
التمييز الروحي
هو مزيج من
مبادرة الله
المجانية واستجابة
الإنسان
الحرّة.
والإتكال على
الله هو إتكال
على الإنسان.
هذا التعاون بينه
وبين الله،
مصدره الروح
القدس ومثاله
يسوع المسيح
وغايته خدمة
البشر فتمجيد الآب.
فإنّ الله
الذي يكشف
ذاته ويدعو
الإنسان
ويتّحد به هو
الآب والإبن
والروح. فالصلاة
والعمل اتحاد
بالثالوث،
والتمييز الروحي
بحث واكتشاف
لإرادة الآب
ولصوت
يسوع المسيح
بعمل الروح
القدس.
والإنسان يسعى
إلى تمجيد
الآب أعظم
تمجيد مع يسوع المسيح
ومثله،
وبالروح
القدس. |