الأستاذ فؤاد أبو غانم (1892 – 1975(

الأستاذ فؤاد أبو غانم (1892 – 1975)

سمعت عنه كثيراً، لهجت به الألسن في المنتديات الشعرية، وفي أورقة مجالس الطرب والأنس مُحدِّثة عن روحه المرحة، ونقاوة ضميره، وخفة ظله. كلمني عن شمائله وفضائله نفر من عليّة القوم من الذين عاصروه وخبروه عن كثب، مُقدِّرين حقه من متذوقي الأدب والشعر.

قرأت قسماً من قصائده التي نظمها في مناسبات شتى، والتي كان يبعث بها إلى عدد من الصحف والمجلات بين الحين والحين، فأكبرت فيه شعره الفياض، وقريحته السيّالة، وعباراته المسبوكة، بعد أن جمعت ما تيسّر لي جمعه لهذا الشاعر الرقيق، وحصلت على ملخص لحياته وجهاده من بعض الأصدقاء، عقدت العزم أن أكتب عنه علـّني أفي بعضاً من حقه، فحياته التي كانت مملوءة بالمفاخر والمحامد وعامرة برموز الخير والمحبة والتسامح والعطاء.

عـُرف في مطلع شبابه بـ"شاعر الشوف"، وأطلق عليه أيضاً لقب: "فؤاد أبو غانم، شاعر الصناعتين" أي العامية والفصحى.
ترك الكثير من المقطعات والمنظومات الزجلية، وترك الكثير الكثير من القصائد الفصحى، والحق يـُقال، من دون مواربة، أن الشاعر فؤاد أبو غانم يستأهل التكلم عنه، لأنه كان شاعراً لامعاً في هذا الفن ولا غبار على شاعريته ونفسه الشعري، كما كان أيضاً سبـّاقاً في مضمار الشعر الزجلي الشعبي الذي يدور في أروقة السمر الممتعة.

ولد الشاعر في بلدة "كفرنبرخ" الشوف، في 16 شباط / مارس 1892، والده الشاعر سليمان وهبة أبو غانم، والدته زهر خطار أبو شقرا، دخل في أيام طفولته مدرسة الخوري "الياس الخوري" في مسقط رأسه "كفرنبرخ"، ثم انتقل إلى مدرسة عمه مصطفى أبو غانم في البلدة ذاتها، وكان قد بلغ من العمر الثالثة عشرة، عندما انتقل من كفرنبرخ إلى "كفرمتى" حيث التحق بـ"مدرسة المعارف الحميدية" لصاحبها الأمير علي آل ناصر الدين، حيث قضى فيها سنتين (1905 – 1907) متتلمذاً على أحد أئمة اللغة العربية، عنيت به الشاعر أمين بك آل ناصر الدين، وقد أخذ عن الشاعر الأمير أصول اللغة العربية مستوعباً كتاب "ابن عقيل".

ومال شاعرنا إلى إتقان العربية إتقاناً تاماً، وتلقف أصولها، ما جعل الأمير ناصر الدين يعامله معاملة الأب لابنه لا الأستاذ لتلميذه.
وهو تلميذ على مقاعد الدراسة، تـُروى عنه الحادثة الطريفة التالية:
"
كان ملتحقاً بالصف الثالث في مدرسة كفرمتى، وكان الصف الأعلى آنذاك يبتدئ بالرقم واحد، واستدعت المدرسة لجنة فاحصين ثلاثية على رأسها الأمير شكيب أرسلان، ومنها الأستاذ رشيد الخوري من "عبيه"، وابتدأ الفحص بامتحان تلاميذ الصف الأول، أي سابق صف فؤاد أبو غانم بسنتين، وطرح الأمير شكيب هذين البيتين لإعرابهما:

خليليَّ، إن زرتما منزلي *** ولم تجداه فسيحاً فسيحاً
وإن رُمتما منطقاً من فمي *** ولم تجداه فصيحاً فصيحاً

فأعرب التلاميذ كلاً من الكلمتين القافيتين: "فسيحاً" و"فصيحاً" بدلاً. وسأل الأمير شكيب: هل في الإعراب هكذا خطأemo-estfham5556628.gif فصمت التلاميذ، والتفت أمين بك آل ناصر الدين إلى تلميذه فؤاد أبو غانم، الذي كان في مطلع سنته الرابعة عشرة آنذاك، وناداه باسمه، فقال فؤاد: نعم، إن في إعراب الكلمتين القافيتين هكذا خطأ لأن كل منهما جاء جواباً للشرط مربوطاً بالفاء. وسأل الأمير عن اسم هذا التلميذ النبيه، وعندما علم أنه ابن رفيقه في الدراسة قال: لا أستغرب هذا الذكاء النادر من تلميذ أبوه سليمان وهبة أبو غانم وخاله يوسف خطار أبو شقرا، وقدّم له الأمير شكيب كتابه "آخر بني سراج" هدية مكافأة على ذكائه".

اشتهر الشاعر بقوة الذاكرة، وحدّة الذكاء، والفطنة المتقدة، وكان دون العاشرة، عندما اختزن في حافظته الزنكوغرافية العجيبة آلاف الأبيات الشعرية، للمتنبي وشوقي، والأمير شكيب أرسلان، ورشيد نخلة، والشاعر الشعبي سامي العماد وغيرهم من الشعراء، الأمر الذي مكـّنه في أن يكون بعدئذٍ ضليعاً في نظم الشعر، متعرفاً على فنونه المختلفة، وبارعاً فيه.

في ميدان العمل:
في سنة 1907 ترك فؤاد المدرسة منصرفاً إلى العمل، وكان في الخامسة عشرة من عمره، وقد اضطرته الظروف والأحوال إلى ذلك للعمل المبكر، لأن والده هاجر إلى الأرجنتين، وفؤاد كان لا يزال طفلاً في السادسة، فاهتم بإصلاح أراضي والده، التي كانت قد أهملت خلال عهد دراسته وليس هناك من يعتني بها، فتوفـّر على هذا الأمر سنتين متواصلتين، أحيا فيهما الأراضي البور التي كانت قد أصبحت مواتاً، فأعاد إليها الحياة والخصب والاخضرار، وأخذت تدرّ عليه مالاً لا بأس به، وسنة 1910 طلب إليه الأستاذ "جرجس طعمه" أن يكون مدرّس اللغة العربية في مدرسته في بلدة "المختارة"، فقبل العرض واستمر في عمله حتى العام 1913، فكان يدرّس اللغة العربية ويدرّس أيضاً اللغة الإنجليزية في الوقت ذاته.

في العام 1924 تزوج "مهيبة" كريمة الشيخ الجليل "عبد الحميد أبو غانم"، ورزقا ثلاثة صبيان هم الأساتذة: المرحوم كمال، فوزي، منير، والسيدات: جوليا زوجة السيد فرحان مشرفية، منتهى زوجة الشاعر المبدع المرحوم فوزي أبو شقرا، سلمى زوجة المرحوم فايز صعب، سعاد زوجة المرحوم عصام أبو غانم.

وفي مجال التعليم درَّس في مدرسة "نبع الصفا" بين الأعوام 1937 وال 1940 عمل كاتب عدل منطقة العرقوب في الشوف، ومركزه كفرنبرخ، من العام 1922 إلى العام 1941، وكاتب عدل منطقة عكار ومركزه حلبا، من العام 1941 إلى العام 1955، ترأس "مدرسة النهضة" في "الشويفات" وعلـّم فيها من العام 1956 إلى العام1961
فيكون قد أمضى في مهنة التعليم إحدى عشرة سنة، وفي العدل ثلاثاً وثلاثين سنة. عرفه الناس من خلالها أنه أستاذ قدير، حمل رسالة التعليم بأمانة وصدق وكفاءة، وكان في تلك الأيام الكاتب العدل الوحيد المنطقة، المثقف، مشتهراً في هذا المضمار بالدقة والنزاهة، والعدل والحنكة واللياقة ومعرفة الأصول، مستحقاً شكر عارفيه، مكتسباً ثقة الجميع.

صفاته وأخلاقه
الكل يعترف والكل يقرّ، أن الشاعر فؤاد أبو غانم، كان متمتعاً بصفات كثيرة، وخلائق حميدة، منها المحبة والإخلاص والتسامح والنبل والوفاء. المحبة عنده كانت رأس المحامد والمفاخر والتي كانت عنواناً له، دوماً يتخذها زاداً في علاقاته وارتباطاته بالآخرين، وهذه الصفات الحسنة، ميـّزته عن سواه، وبالتالي انعكست على شعره عموماً.
ويؤكد أصدقاؤه أن البغض والأنانية والحسد لم ترَ قلب الشاعر أبداً، كان قلبه دوماً ينبض بالمحبة والتسامح والتقرّب من الناس والتودّد إليهم، وإقامة العلاقات الاجتماعية الطيبة معهم، لذلك كان صديقاً صدوقاً للجميع، وأخاً باراً لمن تعرّف إليه، سرعان ما يدخل القلوب، من دون منازع أو استئذان. ونرى معظم قصائده مفعمة بالإخلاص والوفاء والمحبة.
وهذا بيت إحداها:

سقى الله أياماً تقضـَّت بقربكم *** هي العمر، بل من بعض ساعاتها العمرُ

وهذا صديقه "سهيل بك الأسعد" تتعطل ريشة قلم جاءه هدية، فلا يهدأ لفؤاد أبو غانم بال إلا بعد أن يصلحه إصلاحاً تاماً ويأتي به إلى صديقه مع هذه الأبيات:

يراعك، والأنامل حركته *** فكان الشهدُ يجنى من غراسهْ
أتى بالرائعات فشاد بيتاً *** وقد جعل البلاغة في أساسه
أتى ظمآن يلوي الرأس كرهاً *** كرأس الطفل يمعن في نعاسه
ويشكو منك إرهاقاً شديداً *** على ليـْن كثير في مراسه
ويشكو صدعةً فرأيت أنـّي *** أكون ككافر إن لم أؤاسه
نقعت غليله في ماء قلبي *** ونور العين أُفرغَ ضمن كاسه
وكنت مـُضمـِّداً بالجفن جرحاً *** وجئت بهدبها ريشاً لرأسه

ويقول الأستاذ "وليام صعب" – أمير الزجل اللبناني وأحد أصدقائه – يروي نادرة عن وفائه ومحبته في عدد مجلة "البيدر" نيسان – 1974:
"
من نوادر وفائه أن سهرة ضمت مجموعة من الأدباء والشعراء، في بيت الطيّب الذكر والأثر القاضي الشاعر الشيخ أحمد تقي الدين في "بعقلين"، حيث جرى بحث حول المراثي التي قيلت في "نسيب بك جنبلاط" آنذاك، واتفق الجميع على أن مرثاة الشاعر فؤاد أبو غانم، كانت أفضلها، فأهدى الشيخ أحمد إلى الشاعر مجلة "الخدر" لمنشئتها الأديبة "عفيفة فندي صعب"، فاغتنم الشاعر أبو غانم فرصة خصب المزروعات في أرضه، وكانت مياه "نبع الصفا" لم تصل إلى "بعقلين" بعد، فبعث بحمل بطاطا إلى الشيخ أحمد رسول، ولكن والد الشيخ رفض قبوله قبل مجيء الشيخ أحمد، ولما وصل الشيخ أحمد وعرف مصدر الهدية قبلها ودعا الرسول إلى الغداء وكرّمه. وكان الشاعر أبو غانم حمّل الرسول هذين البيتين إلى الشيخ أحمد:

لمن هو مالكي أبداً بفضلٍ *** جزيل، ذكره بالشكر فرضي
لقد أهديت قبل اليوم قلبي *** وإني اليوم أهدي قلب أرضي

وعندما عاد الرسول حمل إلى الشاعر هذين البيتين من الشيخ أحمد تقي الدين:

جاءتنا الهدية من صديق *** نزيه في الهدية والوداد
حبانا قلب أرضٍ بعد قلبٍ *** ومن يقوى على ردّ "الفؤاد"؟

emo-post...445454.gifemo-post...445454.gifemo-post...445454.gifemo-post...445454.gifemo-post...445454.gifemo-post...445454.gifemo-post...445454.gifemo-post...445454.gifemo-post...445454.gifemo-post...445454.gif
 من كتاب: شعراء من جبل لبنان
 تأليف: الأستاذ  نجيب البعيني
 إعداد: سمير .م. أبو شقرا
 مدير المركز اللبناني العربي للأبحاث – LARC
 قريباً: نماذج من شعره.

 

Back to Personalities page