مع الانتقال
من المطاحن
اليدوية
والمائية
إلى تلك
الحديثة
الملوثة كيف خسر
لبنان تراثه
التقني ـ
البيئي في
عصر الزيتون؟ 01-23-08
طاحونة
المرادشية
الأثرية في زغرتا
المعصرة
الحديثة (في
الكورة) (م.ع.م( السفير ---زينب مرعي حوض البحر
الأبيض المتوسط،
هو الموطن
البيئي
لثلاثة
عناصر أساسية:
القمح،
العنب
والزيتون.
هذه العناصر
الثلاثة
ونظرا
لكونها
غذائية، اكتسبت
أهمية خاصة
في ثقافة هذه
المنطقة، وساهمت في
ازدهار
الحياة
الجماعية
فيها، المنعقدة
بمناسبة
استخراج
«مواسم الخير والبركة».
إلاّ أنّ
«دخول الحداثة»
الى لبنان
والمنطقة
إجمالا،
أدّى الى تدهور علاقة
الإنسان
بهذه
العناصر
وأثّر على
تكيّفه مع
أرضه. كيف
ذلك؟ المطروف وهي «تقنية
فريدة عرفها
لبنان
وجواره،
كانت تخص
الملاّكين
الكبار، وهي
تتوسل آلية
مطاحن القمح المائية
لتشغيل
شفرتين من
خشب (ثم من
حديد)، في جرن
من حجر،
لتقشير
الزيتون
وتنعيم لبّه بدون
تحطيم نواته
أو سحقها».
وتكمن أهمية
هذه
التكنولوجيا
في كونها
تشبه فم الإنسان،
فنحن عندما
نأكل الزيتون
نتجنب
النواة
أيضا، بسبب
قساوتها
ومرارة
طعمها.
وهكذا يقول
الدكتور محب
إنه اكتشف
خلال قيامه
ببحثه، أنّ
كل «الآلات»
القديمة، المستخدمة
لاستخراج
زيت
الزيتون،
والتي يعود
قدم بعضها
الى أربعة
آلاف سنة قبل الميلاد،
لا تحطّم
النواة.
وهكذا فهي
تحافظ على
حلاوة طعم
الزيت وعلى
لونه الصافي . بهذه
الطريقة
يشبع
الإنسان
حاسة التذوق
والبصر لديه.
وكل
«تكنولوجيا»
استخراج الزيت، في
ذلك الوقت،
وفي هذه
المنطقة
وعلى الرغم
من
اختلافها،
كانت تتجنب
تحطيم نواة
الزيتون. هذه
الثقافة
الواحدة،
بحسب شانه
ساز، هي دليل
على تكيّف
أهل المنطقة مع ما
تعطيه أرضهم.
تمثّلت هذه
التكنولوجيا
في لبنان
بـ«آلتين»:
الترابيتوم (Trapetum) والمولا
أوليياريا ((Mola olearea وهما
تعملان بقوة
الدفع
العضلي للإنسان.
استعمال
هاتين
الآلتين كان
يسمح بالاستفادة
من كل جزء من
أجزاء ثمرة الزيتون
بعد عصرها. فالنواة مثلا
كانت تستعمل
للتدفئة،
و«الجلد» كان
يعاد عصره . والزيت
الذي يستخرج
منه يُستعمل
في صناعة الصابون،
من ثم يصبح
ملكا للمشاع ليستخدموه
كوقود للنار.
بقيت الناس
تعمل بتقنية
الدفع
العضلي هذه
حتى القرن
الأول قبل
الميلاد.
بعدها ابتكر
الناس في
بلادنا ما يسميها
شانه ساز
بـ«التقنية
الثورية»
ألا وهي
المطحنة
المائية،
«الصديقة
للبيئة»، في
لغتنا
الحديثة.
وأتت هذه
الخطوة في سياق
تحرري من
الدفع بالعضلات،
الطريقة
التي كانت
سائدة لدى
الرومان.
«المدرَس»
وعنف
التكنولوجيا
الحديثة «الدولة اللبنانية
الجديدة»، أي
منذ حوالى
الـ1920 اتخذت من
هذه التقنية نموذجًا
واعتمدت منذ
ذلك الحين
وحتى يومنا هذا،
«آلات» عصر
الزيتون،
التي تكسّر النواة
وتمزجه مع
الزيت. يفسّر
الدكتور محب
ذلك بكون
التكنولوجيا
الجديدة
«عنيفة»، تلجأ
دائما الى
تحطيم
وتكسير كل
شيء. «الدولة الحديثة»
كانت تحتاج
أيضا الى
كهرباء، فبدأ حرف
مجرى الأنهر
لتخزين
المياه في
مكان واحد
واستعمالها
لتوليد
الطاقة الكهربائية
أو لتأمين
المياه
للمدن
الحديثة،
وهذه كانت
بداية
النهاية
«للمطاحن المائية».
وبرأي محب
شانه ساز،
هذه أيضا
كانت بداية
انحدار
التكيّف الايكولوجي للإنسان
مع محيطه. ومع
أنه كان
بالإمكان
تأمين هذه
المتطلبات
للدولة
الحديثة والحفاظ في
الوقت نفسه
على هذه
المطاحن،
إلاّ أنّ
إهمال
الدولة لها
آنذاك أدّى
الى اختفائها
تدريجيا. فقد
اختفت مثلا 30
مطحنة كانت
مزروعة على
طول نهر أبو
علي. آخر
«مطحنة
مائية» صمدت
حتى العام 1982
كانت موجودة
في الجنوب
على مجرى نبع
«الطاسة»، الى
أن دمّرتها
اسرائيل في
ذلك العام. المطحنة
المائية
القديمة
أوفر وأسلم كيف خسر القرويون
مطاحنهم
التراثية؟ وأكثر من
ذلك، يقول
شانه ساز إنّ
الأوروبيين وعدوا
الناس في بعض القرى،
بإعطائهم
مبلغ تسعة
آلاف يورو
لتحسين
مطاحنهم،
وباستيراد
زيتهم اذا ما اشتروا
الماكينات
الأوروبية
الحديثة! أحد سكّان
كفرقطرة،
احدى قرى
قضاء الشوف، تفاءل
خيرًا بمشروع
«السوق
الأوروبية
المشتركة»
هذا، والذي كان
مدعومًا
وقتها من قبل وزارة
المهجّرين،
ضمن مشروع
«عائدون»، فبدأ
بتحديث
مطحنته،
إلاّ أنه
سرعان ما اضطر لوقف
أعمال
التجديد
عندما اكتشف
أنّه لن يلقى
أيّ دعم لا من
الأوروبيين
ولا من غيرهم.
ويرى شانه
ساز أنه ما
كان يجــب
أبدا أن
نستغني عن
إرثنا وأن
نستبدل هذه المطـاحن
بأي تقنية
حديثة.
قصة أخرى
رواها له
القرويون في
جبل لبنان عن انزعاجهم
لخسارة تلك
المطاحن.
فخلال الحرب
الأهلية
وعندما حوصر
الجبل وما
عاد يدخله لا
الفيول ولا
الكهرباء،
عاد السكان
ورمّموا
المطاحن
المائية
وأعدّوها
للعمل من جديد،
فكانت تعصر
الزيتون
وتطحن
القمح، كما أنها
كانت تدير
بواسطة
الطاقة
المائية، خمس آلات
في منشرة
الخشب. هذا
الأمر أدهش
ضابطا
اسرائيليا،
فجاء بآلة
تصوير
للفيديو وصوّر
المطحنة. بعد
زوال الحصار
عادت وتوقفت المطحنة
عن العمل،
وتمنى
صاحبها لو
أنّ أحدا في
الدولة
اللبنانية
يقدّر عمله
ويدعمه.
هل نفقد
شجرة
الزيتون بعد المطاحن؟ |