نازحـو الشـوف ينطلقـون فـي رحلـة العـودة الكبـيرة

نازحـو الشـوف ينطلقـون فـي رحلـة العـودة الكبـيرة

 

السفير  ---الشوف 15/08/2006:

تجلس الحاجة فاطمة على كرسيها في شقة صغيرة مُستأجرة ببلدة بطمة الشوفية، و«تبث» من هناك نظرات قلقة الى ياطر، الى بلدتها الام. تجلس مثقلة بالهموم، بحجم الدمار المُتوقع. 400 شجرة زيتون قد أحرقت حتماً. حقول الكرمة «فارقت الحياة» هي الاخرى، لا تنتظر «الحاجة المُخضرمة» من أحد أن يخبرها بذلك، لكنها تقوّي عزيمتها بخبرتها الكبيرة. «خمس وتسعون سنة علّمتني الكثير». الحاجة فاطمة تتذكر الانتداب الفرنسي والانكليز... تقول مشيرة الى حفيدها الصغيرة. «المهم ان العائلة بخير، المهم الانسان». تبتل عياها حزناً على شبان البلدة الاثني عشر الذين استشهدوا، وهناك عدد تحت الانقاض.
الحاجة، وضّبت أغراضها القليلة. انتظرت سيارة تقلها وعائلتها، وعادت الى بلدتها بتجربة جديدة، انه يوم العودة. طرقات الشوف تحكي ذلك.

ماذا يقول بعض العائدين؟ محمّد كريّم، من بلدة ياطر الجنوبية أراد توجيه كلمة شكر «قبل الحديث عن العودة، وقبل أي شيء... شُكرٌ لكل من احتضننا. شعرنا حقاً اننا بين اهلنا». وتابع: «التقيت هنا بأحد «الختايرة» (كبير في السن) وقال لي كلمة معبّرة أثّرت بي كثيرا: بيوتنا ضيقة... لكن صدورنا واسعة». ثم انطلق في حديثه عن العودة.
كريّم، مُدرّس في مدرسة الحوش، هناك علّم تلاميذه على الحذر من الالغام والصواريخ والاجسام غير المتفجرة. «نحن نخاف من هذه المسألة حقاً، انها من اهم الهواجس التي تقلقنا حالياً. نخشى على اطفالنا... لكننا نعلمهم وقد علّمتنا التجربة، حيث انني شُرّدت مرتين وهذه المرة الثالثة»، مؤكدا انه لا يخاف من شيء، نسأله عن هواجسه يقول: «ليس لنا تجربة ناجحة مع الضمانات الدولية. مجزرة قانا حصلت تحت علم الامم المتحدة. نخاف من هذا الموضوع. لكننا كلنا مقاومون، من لم يكن منّا مقاوماً عاد مقاوماً لإسرائيل، التي يجدر بها ان تعلم ان الشعب اللبناني من الصعب لا بل من المستحيل القضاء عليه. نحن شعب كطائر الفنيق».

محمّد سويدان، مختار بلدة ياطر الجنوبية، تحدث عن الدمار الكبير الذي لحق ببلدته «50 الى 60 منزلا دُمرت، وغالبية البيوت المتبقية متضررة بشكل جزئي، لم يلحق بمنزلي ضرر فقط بعض الحقول المجاورة، لكن لو أصابه أي شيء فيمكننا أن نبني خيمة ونستقر فيها، لا مانع في ذلك»، لكن استدرك قائلا: «كلنا أهل لبعضنا البعض. فبيتي سأفتحه لكل الاقارب. كما نجلس هنا عدة عائلات في بيت واحدة، سيكون الامر نفسه في الجنوب. من يملك طابقين سيقسمه ليستضيف المتضررين، وكلنا عائلة واحدة وتعودنا على ذلك».

حركة العودة بدأت كبيرة امس. طرقات الشوف التي كانت قد خفتت حركتها مع أزمة البنزين عادت الروح اليها امس. مئات السيارات في طريقها للعودة. الفرش أخذت مكان المناديل البيضاء. التصقت بسقف السيارات، بانتظار الوصول الى الجنوب عبر معبر باتر ـ جزّين ـ صيدا. على أمل ألا يكون من حاجة لهذه الفرش وتكون المنازل بخير. مدرسة كمال جنبلاط الرسمية في المختارة، التي احتضنت 23 عائلة، بدت فارغة بعد أن كانت خلية نحل سابقاً. عائلة واحدة بقيت، تنتظر فقط سيارة تقلها الى بلدة أنصار.

في حديثنا مع العائلات العائدة تبيّن لنا أن حركة العودة تضعف وتقوى مع قرب البلدة المقصودة من الحدود أو بعدها عنها. فكل من كانت قريته التي هُجر منها قريبة من الحدود بدا متردداً في العودة بانتظار ما ستحمله الساعات القادمة، أما من كانت قريته بعيدة فلم يجد من مانع للعودة، إلا ان الغالبية الساحقة فضلّت العودة. وقد سُجّلت ملاحظة في هذا الاطار، فإن بعض العائلات التي استأجرت منازل لمدّة شهر، أي بعيد 12 تموز «المشؤوم» (يزيد عدد أفرادها عن العشرة آلاف من أصل 60 الفا) استعدوا لهذه المرحلة قبل وقف إطلاق النار.

 

«الحاجة رويدا» كانت قد استأجرت شقة صغيرة في بلدة بقعاتا الشوفيّة بتاريخ 14 تموز أي بعد يومين من الحرب، قالت: «اتفقنا مع صاحب الشقة على مدة شهر وليس أكثر ومع انتهاء المهلة وضبنا أغراضنا ونحن الآن في طريق العودة، فكل من استأجر شقة ممن نعرفهم فعل مثلنا وسيغادرون، أما من استأجر شقة بعد 14 تموز وبالتالي ما زالت مهلة بقائه فيها صالحة فمنهم من قرر ترك الشقة قبل نهاية الشهر ومنهم من أراد إمضــائها هنا في الشوف».

العودة اذا بدت كبيرة. أعداد السيارات الراجعة يؤكد ذلك في ظل فقدان أي إحصاءات أولية عن العدد المتبقي، لكن من المؤكد أن أكثر من خمسين في المئة اذا لم نقل أكثر قد فضلوا العودة الى منازلهم. ولوحظ ان حركة العودة قد شهدت ارتفاعاً في ساعات بعد الظهر على الرغم من ان عدداً غير قليل فضل العودة فور الاعلان عن توقف الاعمال الحربية. فالعائدون الى الجنوب سلكوا طرقات المختارة جزين، أو إقليم الخروب ـ صيدا، أما العائدون الى الضاحية فقد سلكوا طرقات بقعاتا ـ دير القمر ـ الدامور، أو بقعاتا ـ بعقلين ـ الدامور.

فكرة العودة الى الديار لم تكن مريحة كثيرا. يشوبها قلق ما. الكل عينه على ما ينتظره من دمار وخراب. كبار وصغار يتوجسون من الموضوع. علي، ابن الثماني سنوات، قلق ايضا، «أخاف أن يكون منزلنا قد هُدّم ـ يقول ـ وأخاف من اية أجسام غريبة. أنا تعلمت في مدرستي في مجمّع التحرير في السلطانية ما يلي: لا تلمس، لا تقترب، بلّغ فوراً. وهذا ما سأفعله في حال وجدت أي جسم غريب قد يلحق الاذى بي أو ببعض أصحابي وأهلي».

 

Back to Mokhtara page